موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٣٠
شماره جلسه : ۶۳
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
المناقشة النهائيّة لاحتمال كون «المجموع من حيث المجموع» مكلَّفاً
-
الاحتمال الثالث: تعلّق التكليف على نحو العموم الاستغراقيّ
-
خصائص الواجب الكفائيّ وتصوير العموم الاستغراقيّ
-
نقد السيّد الخوئي لتقريب «الوجوب الاستغراقيّ المشروط» في الواجب الكفائيّ
-
استدراك المحقّق الخوئي: تصوير الوجوب الاستغراقيّ المشروط على أساس التزاحم في مقام الجعل
-
نقد المحقّق الخوئي لتصوير «التزاحم في مقام الجعل» في الواجب الكفائيّ
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
-
الجلسة ۷۲
-
الجلسة ۷۳
-
الجلسة ۷۴
-
الجلسة ۷۵
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
في سياق استجلاء حقيقة الواجب الكفائيّ، كان الاحتمال الثاني ينصّ على أنّ المكلَّف هو «مجموع المكلّفين من حيث المجموع». وبعد استعراض الإشكالات والوجوه المتعدّدة، انتهى التحقيق إلى أنّه لو أُريد بذلك تعلّق التكليف بـ «صرف الوجود من هذا المجموع» ـ بمعنى أن يلحظ الشارع مجموع المكلّفين ثمّ يوجّه الوجوب إلى «صرف الوجود» الصادر من ناحيتهم ـ فإنّ هذا التصوير يغدو معقولاً وممكناً من الناحية الثبوتيّة والتحليل العقليّ. وبيان ذلك يكمن في افتراض عنوان «مجموع المكلّفين» بمثابة مكلَّفٍ اعتباريّ. فيتوجّه الوجوب إلى صرف الوجود الصادر من هذا المجموع، بحيث لو بادر فردٌ واحدٌ أو فردان أو خمسةٌ من بين هذا الجمع إلى إتيان الواجب، لتحقّق «صرف الوجود من المجموع» لصدق صرف الوجود على القليل والكثير.
بيد أنّ المعضلة الجوهريّة تبرز في مقام الإثبات والفهم العرفيّ. ففي باب التكاليف الشرعيّة، يُشترط أن يكون المكلَّف قابلاً للتشخيص بوضوحٍ لدى العرف. أمّا القول في التحليل العقليّ الدقيق بأنّ المكلَّف أوّلاً هو «المجموع من حيث المجموع»، ثمّ ثانياً إنّ المتعلَّق هو «صرف وجود الفعل من هذا المجموع»، فهو ـ وإن صحّ ثبوتاً في الجملة ـ يمثّل هيكليّةً ذهنيّةً معقّدةً نائيةً عن أفق الفهم العرفيّ. فالعرف عند مواجهته للأمر المولويّ يطرح تساؤلاً في غاية البساطة: «من هو المخاطَب بهذا التكليف الذي أنشأه الشارع؟ ومن المأمور بامتثاله؟».
ففي الواجبات الاجتماعيّة المحضة ـ كتلك الآيات التي تخاطب «القوم» و«الأمّة» مباشرةً ـ يدرك العرف بوضوحٍ أنّ موضوع الحكم هو «المجتمع»، وأنّ التكليف جمعيّ. أمّا في الواجب الكفائيّ المتعارف الذي تبرز فيه خصيصته بسقوط التكليف عن الباقين بفعل أحدهم، فإنّ القول بأنّ «المكلَّف هنا أوّلاً هو مجموع المكلّفين من حيث المجموع، وأنّ متعلَّق الوجوب ثانياً هو صرف وجود الفعل من هذا المجموع»، يمثّل في منظور العرف تركيباً غريباً ومستثقلاً، ولا يستوحيه العرف من ظواهر الأدلّة أبداً.
علاوةً على ذلك، فإنّ صدق «صرف الوجود من المجموع» يتأتّى بأيّ مقدارٍ من المشاركة. فهو يصدق بفعل فردٍ واحد، كما يصدق بفعل اثنين أو ثلاثة أو عشرة أو أكثر. ومآل ذلك أنّه لو استقرّ المكلَّف في «المجموع» والمتعلَّق في «صرف الوجود من المجموع»، لعجز العرف عن تحديد المكلَّف المتعيّن بهذا الخطاب بوضوح، وتعذّر عليه تشخيص الفرد الذي يُعدّ على التعيين «ممتثلاً للأمر».
ويتمثّل الاحتمال الثالث في تفسير الواجب الكفائيّ بالقول إنّ التكليف يثبت في عهدة «كلّ واحدٍ واحدٍ» من المكلّفين على نحو العموم الاستغراقيّ. وبيان ذلك أنّه متى قال المولى: «يجب دفن الميّت»، كان مفاده ثبوت وجوب الدفن في ذمّة كلّ فردٍ من الأفراد كزيدٍ وعمروٍ وبكر، على نحو الاستغراق لكافّة المكلّفين. بحيث «ينحلّ» الخطاب إلى تكاليف متعدّدة، ويغدو كلّ فردٍ مكلّفاً مستقلاً.
وقد صرّح المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) بعد تفنيده للوجوه السابقة بانحصار الأمر في هذا الاحتمال (أي تعلّق الحكم بـ «الجميع» استغراقاً) بوصفه الوجه المعقول الوحيد الصالح للالتزام،[1] حيث قال:
فينحصر الأمرُ في الشِّقِّ الأخير، وهو تعلّقُ الحكم بالجميع، ولو بنحوِ سراية الحكم من الطبيعيّ إلى أفراده... .
وبتبنّي مسلك العموم الاستغراقيّ، يتسنّى لنا توجيه خصيصتين من الخصائص المشهورة للواجب الكفائيّ بوضوحٍ تامّ. فلو امتثل الجميع (في الموارد القابلة لذلك كصلاة جماعةٍ على ميّت)، عُدّوا كافّةً ممتثلين، لإتيان كلّ فردٍ منهم بتكليفه المستقلّ. ولو ترك الجميع، عُدّوا كافّةً عاصين، لترك كلّ فردٍ لواجبه الخاصّ المستقرّ في ذمّته.
وإنّما يتركز البحث والتحليل الدقيق حول الخصيصة الثالثة للواجب الكفائيّ، وهي «سقوط التكليف عن ذمم الباقين بفعل البعض». ففي ظلّ صورة العموم الاستغراقيّ، يبرز التساؤل الملحّ: ما هو المبنى المصحّح لسقوط التكليف عن الآخرين بمجرّد نهوض فردٍ أو أفرادٍ بإنجاز الفعل؟ يعالج المحقّق الأصفهاني هذا الإشكال من نافذة «الغرض». ففي تتمّة العبارة المتقدّمة يقول (قدّس سرّه):
تفكيك النكات المحوريّة في بيانه:
١. وحدة الغرض: الغرض تارةً يكون «واحداً في ذاته» كدفن الميّت، لعدم تصوّر مصلحةٍ مستقلّةٍ في تعدّد الدفن. وتارةً أخرى يتمثّل في «وجودٍ واحدٍ لزوميّ» كإقامة صلاةٍ واحدةٍ على الميّت، وإن شرع تكرارها ندباً. والمهمّ انتفاء تعدّد الغرض الإلزاميّ في كلتا الحالتين.
٢. تساوي نسبة الغرض إلى كافّة المكلّفين: إنّ نسبة هذا الغرض الواحد متكافئةٌ تجاه الجميع، لانتفاء المزيّة المرجّحة لزيدٍ على عمروٍ أو العكس. وعليه فإنّ تخصيص فردٍ متعيّن (كزيد) بامتثاله يُعدّ «تخصيصاً بلا مخصّص». كما أنّ إناطة التحصيل بـ «الفرد المردّد» (أحدهم لا بعينه) أمرٌ محالٌ عقلاً لعدم ثبوته واقعاً. وقد مرّ إبطال إناطة التكليف بـ «المجموع بما هو مجموع» لأدلّةٍ أخرى.
النتيجة: الجعل للجميع والسقوط باستيفاء الغرض
ومحصّل ذلك انحصار الأمر في تعلّق الوجوب بالجميع، فيغدو كلّ مكلّفٍ مأموراً استقلالاً بتحصيل ذلك الغرض الواحد. فالتكليف في مرحلة الجعل ثابتٌ على «الجميع» بنحو العموم الاستغراقيّ. بيد أنّه في مرحلة البقاء، متى ما استُوفي الغرض بمبادرة أحدهم، انتفى مسوّغ استمرار التكليف في حقّ الآخرين. وإلى هذا المعنى أشار (قدّس سرّه) بقوله:
...فلا محالة يوجبُ على الجميع، ويجوزُ تركُ كلٍّ منهم مع فعلِ الآخر. فإذا صلّوا عليه دفعةً، كان نسبةُ ذلك الغرض اللزوميّ بالإضافة إلى أفعالهم على السويّة، فيكون كلٌّ منهم مؤدّياً للواجب وممتثلاً، وإذا تركه الكلّ كان كلٌّ منهم تاركاً للواجب... فيُعاقَب عليه.
وتفريعا على ذلك، فلو صلّى الجميع على الميّت دفعةً واحدة، تساوت نسبة الغرض اللزوميّ إلى صلواتهم كافّة، وعُدّ كلٌّ منهم ممتثلاً لواجبه ومستحقّاً للثواب. ولو أطبقوا على الترك، صَدَق على كلّ فردٍ عنوان التارك لواجبه، فاستحقّ العقاب. أمّا لو بادر البعض وأحجم الآخرون، فإنّ الغرض الواحد يُستوفى بفعل المبادرين، فيسقط التكليف عن الباقين لانتفاء موضوعه.
استدراكٌ دقيق: إشكاليّة الامتثال في الفعل المشترك
ثمّ يُردف المحقّق الأصفهاني بيانه بلفتةٍ دقيقة، منبّهاً إلى بروز إشكالٍ في التحليل اللفظيّ لعنوان «الامتثال» في بعض الفروض الخاصّة، كاشتراك جماعةٍ في إنجاز دفنٍ واحد. حيث يقول:
نعم، فيما إذا اشترك الكلّ في دفن الميّت ـ مثلاً ـ يردُ الإشكالُ على تحقّق الامتثال من الكلّ، إذ لم يَحصُل من كلٍّ منهم دفنُ الميّت، ولا أمر إلاّ بدفن الميّت... وهذا الإشكالُ لا ينافي سقوطَ الأمر بحصول الغرض منه، كما لا ينافي استحقاقَ المدح عقلاً... كما لا ينافي استحقاقَ كلٍّ منهم للعقاب لفرض ترك الواجب من كلٍّ منهم.
ومحصّل هذا الاستدراك أنّ إطلاق عنوان «امتثال الأمر بدفن الميّت» على فعل كلّ شريكٍ بانفراده يواجه صعوبةً في التحليل الدقيق للواجب الكفائيّ المشترك حقيقةً (كدفنٍ واحدٍ قائمٍ بجماعة)؛ إذ لم يتحقّق «الدفن» التامّ من أيٍّ منهم استقلالاً، بل اقتصر فعل كلٍّ على إنجاز جزءٍ من العمليّة. بيد أنّ هذه الخدشة الاصطلاحيّة لا تَمَسّ جوهر المطلب في ثلاثة أمور:
1. سقوط الأمر بحصول الغرض الواحد.
2. استحقاق كلّ شريكٍ للمدح والمثوبة، لانقياده في تحصيل غرض المولى.
3. استحقاق كلّ فردٍ للعقاب في فرض ترك الجميع، لصدق ترك الواجب المنجّز عليه.
وبهذا المسلك، ينجح المحقّق الأصفهاني في تخريج الخصائص الثلاث المعروفة للواجب الكفائيّ ـ رغم تكثّر التكاليف وتعدّد الامتثالات والعصيانات ـ متّكئاً على دعامتي تعلّقِ الحكم بـ «الجميع» استغراقاً، ووحدةِ الغرض مع تساوي نسبته إلى المكلّفين.
النتيجة النهائيّة
أشرنا في ذيل الاحتمال الثالث إلى أنّ أحد التقريبات المقترحة لتفسير سقوط التكليف عن الآخرين بفعل أحدهم هو القول بتوجّه التكليف الكفائيّ إلى «كلّ واحدٍ واحدٍ من المكلَّفين» على نحو العموم الاستغراقيّ، مع تقييد وجوب كلّ فردٍ واشتراطه بترك الآخرين. ومفاد ذلك أن يُصاغ «وجوب دفن الميّت» بأن يثبت في ذمّة كلّ فردٍ وجوبٌ مستقلٌّ، مشروطٌ بترك سائر المكلّفين له. وبهذه الصياغة يُحفظ العموم الاستغراقيّ في مرحلة الجعل، وفي الوقت عينه إذا بادر أحدهم فامتثل، انتفى شرط الوجوب في حقّ الآخرين، ولم يتنجّز التكليف عليهم فعليّاً من الأساس.
وقد أورد السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في «المحاضرات» هذا التقريب كوجهٍ ثالث، ثمّ كرّ عليه بالنقض والإبطال عبر عدّة إشكالات.[2] حيث قال:
الثالث: أن يقال إنّ التكليف به متوجّهٌ إلى عموم المكلّفين على نحو العموم الاستغراقيّ فيكون واجباً على كلّ واحدٍ منهم على نحو السريان، غاية الأمر أنّ وجوبه على كلٍّ مشروطٌ بترك الآخر.
ثمّ استدرك منتقداً:
ويردّه مضافاً إلى أنّه بعيدٌ في نفسه، فإنّ الالتزام بوجوبه أوّلاً واشتراطه بالترك ثانياً تبعيدٌ للمسافة، فلا يمكن استفادته من الأدلّة، أنّ الشرط لو كان هو الترك في الجملة... ولو كان الشرط هو الترك المطلق... .
محاور النقد عند السيّد الخوئي:
١. تبعيد المسافة ومخالفة ظهور الأدلّة: يستهلّ السيّد الخوئي نقده بوصف هذه الهيكليّة بـ «البعيدة» والمصادمة للمرتكزات، إذ يُعدّ الالتزام بثبوت الوجوب الاستغراقيّ لجميع الأفراد، ثمّ إلحاقه بشرطٍ (وهو ترك الآخرين) يؤدّي عمليّاً إلى تعطيل فعليّة الوجوب في حقّ سائر المكلّفين والادّعاء بعدم تنجّزه عليهم من الأساس، مسلكاً متكلّفاً وفي غاية البُعد. ولا يمكن استيحاء مثل هذه التعقيدات من ظواهر الأدلّة العرفيّة كـ «يجب دفن الميّت». فالعرف لا يستلهم من هذه الخطابات المباشرة شبكةً متشابكةً من الوجوبات المشروطة والمتقابلة والمتزاحمة.
2. تحليل شرط «ترك الآخرين»: الترك في الجملة أم الترك المطلق؟
ثمّ انعطف (قدّس سرّه) نحو تحليل ذات الشرط مصرّحاً:
إنّ الشرط لو كان هو الترك في الجملة، فلازمه... ولو كان الشرط هو الترك المطلق، فلازمه... .
ومفاد ذلك دوران هذا الشرط بين شقّين، ففي الفرض الأوّل لو أُريد من «ترك الآخرين» الترك في الجملة، لآل معنى الشرط إلى إناطة وجوب الدفن في ذمّة زيدٍ بترك عمروٍ للفعل في بُرهةٍ من الزمن، وإناطة الوجوب في ذمّة عمروٍ بترك زيدٍ له في بُرهةٍ ما، وهلمّ جرّاً بالنسبة لسائر المكلّفين. وعليه لو تقاعس كلّ واحدٍ من المكلّفين عن الامتثال وترك الفعل في شطرٍ من الوقت، فبمجرّد تحقّق الترك في الجملة من قِبَل الآخر، يتحقّق شرط الوجوب في حقّ هذا الفرد ليغدو وجوب الدفن فعليّاً في عهدته. وما يستتبعه هذا الافتراض هو أن ينتهي المطاف بكلّ فردٍ إلى تنجّز الوجوب العينيّ الفعليّ عليه، لينقلب الواجب الكفائيّ في واقعه العمليّ إلى واجبٍ عينيٍّ استغراقيّ. ومن هذا المنطلق صرّح السيّد الخوئيّ:
فلازمه هو أنّ المكلّف لو ترك في بُرهةٍ من الزمان... فقد حصل الشرط وتحقّق، ومن المعلوم أنّه إذا تحقّق يجب على جميع المكلّفين عيناً، وهذا خُلف.
والمحصّلة أنّ تفسير الشرط بالترك في الجملة يُسفر عن صيرورة الواجب الكفائيّ واجباً عينيّاً، وهو خُلف ما فُرض في محلّ البحث.
وفي الفرض الثاني لو اشترطنا الوجوب بالترك المطلق، لكان معناه إناطة وجوب الدفن على زيدٍ بترك عمروٍ للفعل في كافّة الأزمنة الممكنة، والعكس بالعكس. فمجرّد إقدام الآخر في أيّ لحظةٍ زمنيّةٍ يوجب انتفاء الشرط في حقّ هذا المكلّف. وتبرز الإشكاليّة الكبرى في هذا الفرض فيما لو أقدم جميع المكلّفين على إتيان الواجب (كما لو صلّى الجميع على الميّت). ففي هذه الحالة، لن يصدق «الترك المطلق» على أيٍّ منهم، ممّا يؤدّي حتماً إلى انتفاء شرط الوجوب في حقّهم كافّة، كما عبّر السيّد الخوئي:
لازمه أنّه لو أتى به جميعُ المكلّفين، لم يتحقّق الشرط لأحدٍ منهم... .
وبانتفاء الشرط ينتفي المشروط (الوجوب)، فلا يثبت وجوبٌ أصلاً في البين. وإذا انتفى الوجوب، انتفى موضوع «الامتثال» بالضرورة؛ لتقوّمه بوجود أمرٍ سابق. وإلى هذا المعنى أشار (قدّس سرّه) بقوله:
وإذا لم يحصل فلا وجوب لانتفائه بانتفاء شرطه على الفرض، فإذن لا معنى للامتثال وحصول الغرض. ضرورة أنّه على هذا الفرض لا وجوب في البين ليكون الإتيان بمتعلّقه امتثالاً وموجباً لحصول الغرض في الخارج.
ومحصّله أنّه لا يبقى بناءً على هذا المبنى أيّ مساغٍ للحديث عن «الامتثال»، بل وحتّى استيفاء الغرض لن يكون مترتّباً على امتثال وجوبٍ شرعيّ.
٣. انتفاء المقتضي لهذا الاشتراط: ومضافاً إلى المحاذير المتقدّمة، يقرّر المحقّق الخوئي انعدام المقتضي لافتراض مثل هذا الاشتراط المعقّد في هيكليّة الواجب الكفائيّ، موضّحاً ذلك بقوله:
على أنّه لا مقتضى لذلك، والوجه فيه هو أنّ الغرض بما أنّه واحدٌ وقائمٌ بصرف وجود الواجب في الخارج، فلابدّ أن يكون الخطاب أيضاً لذلك، وإلّا لكان بلا داعٍ وغرضٍ، وهو محال.
فلمّا كان الغرض في الواجب الكفائيّ واحداً وينال بمجرّد تحقّق «صرف وجود الفعل» في الخارج (ولو من فردٍ واحد)، كان من الضروريّ أن ينصبّ الخطاب على هذا «الصرف» مباشرةً. أمّا المصير إلى جعل وجوباتٍ استغراقيّةٍ مشروطةٍ بالترك المطلق للآخرين، فهو تكلّفٌ عارٍ عن الغرض، ويستلزم اللغويّة في مقام الجعل والتشريع.
النتيجة النهائيّة لنقد السيّد الخوئي: وتأسيساً على ما سلف، يتّضح جليّاً أنّ تفسير الواجب الكفائيّ بـ «العموم الاستغراقيّ للوجوب المشروط بترك الآخرين» يصطدم بظواهر الأدلّة والمرتكزات العرفيّة. فإن حُمل الترك على «الترك في الجملة»، انقلب الواجب الكفائيّ إلى عينيّ. وإن حُمل على «الترك المطلق»، أدّى إلى انتفاء الوجوب والامتثال من رأسٍ عند مبادرة الجميع للفعل. هذا فضلاً عن تجرّد هذا الاشتراط عن أيّ مبرّرٍ عقلائيٍّ أو مقتضٍ شرعيّ. وعليه فإنّ هذا التقريب لا يعجز عن معالجة إشكاليّة «سقوط التكليف عن الباقين بفعل أحدهم» فحسب، بل يجرّنا إلى لوازم باطلةٍ لا يمكن الالتزام بها.
استدراك المحقّق الخوئي: تصوير الوجوب الاستغراقيّ المشروط على أساس التزاحم في مقام الجعل
ورغم تلك المناقشات الجذريّة، يستدرك السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في ذيل كلامه ليطرح فرضيّةً محدودةً يمكن فيها تصحيح «الوجوب الاستغراقيّ المشروط» ثبوتاً. يقول في بيانه:
نعم، لو كانت هناك أغراض متعدّدة بعدد أفعال المكلَّفين، ولم يمكن الجمع بينها واستيفاؤها معاً لتضادّها، فعندئذٍ لا محالة يكون التكليف بكلٍّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر على نحو التّرتّب... .
ومحصّل استدراكه هو أن نفترض وجود أغراضٍ لزوميّةٍ متعدّدةٍ في لوح الملاكات بتعدّد أفعال المكلّفين، بحيث يكون لكلّ فعلٍ (كصلاة زيد، وصلاة عمرو، وصلاة بكر) غرضٌ يخصّه ويستقلّ به. بيد أنّ هذه الأغراض تتزاحم في الخارج ويتعذّر استيفاؤها معاً لتضادّها. ففي هذه الحالة، يواجه الشارع تزاحماً في الملاكات في رتبة الجعل، ويكون المخرج المعقول هو تقييد جعل التكليف بكلّ فعلٍ بعدم إتيان الآخر على نحو «الترتّب». بمعنى أن يوجب الصلاة على زيدٍ بشرط ترك عمرو، ويوجبها على عمروٍ بشرط ترك زيد، وهكذا في حقّ الجميع.
وقد أكّد السيّد الخوئي أنّ هذا النمط من الترتّب بين الأحكام ـ كما يصحّ في مقام الفعليّة والامتثال (في بحث الضدّين) ـ فهو ممكنٌ ثبوتاً في مقام الجعل والتشريع، حيث أضاف:
وقد ذكرنا في بحث الضدّين أنّ التّرتّب كما يمكن بين الحكمين في مقام الفعليّة والامتثال، كذلك يمكن بين الحكمين في مقام الجعل والتشريع، فلا مانع من أن يكون جعل الحكم لأحد الأمرين مترتّباً على عدم الإتيان بالآخر.
ثمّ إنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) عاد ليُسجّل نقده على هذا الاستدراك أيضاً، مصرّحاً بفساده وبُعده عن واقع الواجب الكفائيّ، حيث يقول:
وغير خفيٍّ أنّ هذا مجرّد فرضٍ لا واقع له أصلاً... فالنتيجة أنّ هذا الوجه أيضاً فاسد.
وقد بنى نقده على ثلاث نكاتٍ جوهريّة:
١. الخروج عن محلّ النزاع في الواجب الكفائيّ: ينطلق الإشكال الأوّل من التأكيد على أنّ مورد البحث في الواجب الكفائيّ يتقوّم بـ «وحدة الغرض». فافتراض تعدّد الأغراض بتعدّد أفعال المكلّفين يعدّ خروجاً صريحاً عن محلّ الكلام. يقول (قدّس سرّه):
فإنّ المفروض في محلّ الكلام هو ما إذا كان الغرض واحداً بالذّات، وفرض تعدّد الغرض بتعدّد أفعال المكلّفين فرضٌ خارجٌ عن مفروض الكلام.
وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الواجبات الكفائيّة المعهودة (كدفن الميّت، وتغسيله، والصلاة عليه) تستبطن غرضاً نوعيّاً مشتركاً يُستوفى بتحقّق مصداقٍ واحدٍ للفعل، ولا يُتصوّر فيها وجود أغراضٍ مستقلّةٍ لكلّ فاعلٍ في عرض الآخرين.
٢. استحالة تضادّ الملاكات مع عدم تضادّ الأفعال: وأمّا الإشكال الثاني فيستهدف دعوى التضادّ، حيث يقول:
فرض التّضادّ بين الملاكات مع عدم التّضادّ بين الأفعال يكاد يلحق بأنياب الأغوال.
ومفاده أنّ افتراض تضادٍّ حقيقيٍّ بين الملاكات في نفس الأمر، مع انتفاء أيّ تعارضٍ أو تضادٍّ بين الأفعال المترتّبة عليها في الخارج، هو فرضٌ خياليٌّ لا واقع له. فالغالب أنّ التضادّ في الملاكات ينعكس على مستوى الأفعال بنحوٍ من التمانع في الجمع الخارجيّ. وإن أمكن في دقّة التحليل تصوّر التضادّ في مستوياتٍ مختلفة، إلا أنّ هذا التفكيك في المقام يفتقر إلى المبرّر الواضح.
٣. عدم معقوليّة تعدّد الغرض في الواجب الواحد: ويكمن الإشكال الثالث والأهمّ في منافاة هذا الفرض لخصيصة وحدة الواجب، حيث يقول:
فرض تعدّد الغرض إنّما يمكن فيما إذا كان الواجب متعدّداً خارجاً، وأمّا إذا كان الواجب واحداً كما هو المفروض في المقام... فلا معنى لأن تترتّب عليه أغراض متعدّدة.
وتوضيحه أنّ فرضيّة تعدّد الأغراض تنسجم مع تعدّد الواجبات في الخارج (كما في خصال الواجب التخييريّ). أمّا في الواجب الكفائيّ، فالمفروض وحدة الواجب (كدفن الميّت، أو الصلاة عليه، أو تغسيله). ففي هذا المورد، لا يُعقل القول بأنّ فعل زيدٍ يستوفي غرضاً خاصّاً، وفعل عمروٍ يحقّق غرضاً ثانياً، وفعل بكرٍ يستلزم غرضاً ثالثاً. فالطبيعة الواحدة للفعل، وإن اختلفت فواعلها، تستبطن ملاكاً واحداً، لا أغراضاً متنوّعةً في عرضٍ واحد. وإلى هذا أشار بقوله:
فلا محالة يكون المترتّب عليه غرضاً واحداً، بداهة أنّه لا يُعقل أن يكون المترتّب على واجبٍ واحدٍ غرضين أو أغراضاً كما هو واضح.
والمحصّل أنّ فرضيّة تعدّد الغرض في الواجب الكفائيّ ساقطةٌ من الأساس. وبسقوطها، ينهار البناء القائم على فكرة «الوجوبات الاستغراقيّة المشروطة» الناشئة من التزاحم في مقام الجعل. علاوةً على ذلك، فإنّه حتّى لو سلّمنا جدلاً بالإمكان الثبوتيّ لهذه الفرضيّة، فإنّها تفتقر تماماً إلى الدليل الإثباتيّ. وقد صرّح السيّد الخوئي بتعذّر طريق استكشاف هذا النحو من التزاحم في مقام الجعل. فلو كان ثابتاً واقعاً لبيّنه الشارع وأقام عليه قرينةً واضحة، والحال أنّ الأدلّة خاليةٌ من ذلك تماماً. وعليه، فحتّى مع غضّ النظر عن كافّة الإشكالات الصغرويّة والمبنائيّة، فإنّ هذا التصوير يبقى عاجزاً عن النهوض كتفسيرٍ لحقيقة الواجب الكفائيّ، لانتفاء المقتضي وانعدام الدليل الإثباتيّ عليه.
خاتمة المطاف
والمتحصّل من نقد السيّد الخوئيّ أنّ نظريّة «الوجوب الاستغراقيّ المشروط بترك الآخرين» في صياغتها الأوّليّة، تصطدم بمحاذير لا محيص عنها. فتفسير الشرط بـ «الترك في الجملة» يقلب الواجب الكفائيّ إلى واجبٍ عينيّ، بينما تفسيره بـ «الترك المطلق» يُسقط الوجوب والامتثال رأساً في فرض مبادرة الجميع. مضافاً إلى أنّ الأدلّة الشرعيّة تأبى مثل هذا الاستظهار المتكلّف. وأمّا الصورة الثبوتيّة الأقرب للمعقوليّة لهذا التقريب، فتنحصر في فرض تزاحم الأغراض المتعدّدة في مقام الجعل. بيد أنّ هذه الفرضيّة أجنبيّةٌ عن الواجب الكفائيّ المتقوّم بـ «وحدة الغرض»، مضافاً إلى امتناع تصوّر تعدّد الأغراض في الواجب الواحد أصلاً، وانتفاء الدليل الإثباتيّ الكاشف عن هذا النحو من التزاحم.
وعليه، ينتهي السيّد الخوئي إلى طرح هذا الوجه ـ كسابقيْه ـ وإسقاطه عن الصلاحيّة لتفسير حقيقة الواجب الكفائيّ. فلا محيص إذن من تأسيس البحث على مبانٍ أخرى، من قبيل التحليل الذي شيّده المحقّق الأصفهانيّ ارتكازاً على وحدة الغرض وسقوط الوجوب باستيفائه، أو المسلك المختار القائل بتعلّق الطلب بصرف الوجود.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[2]. خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 54-55.
------------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
نظری ثبت نشده است .