درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٢٨


شماره جلسه : ۶۱

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • دراسة احتمال «مجموع المكلّفين من حيث المجموع» كـ «مكلَّفٍ» في الواجب الكفائيّ

  • النقد العرفيّ لنظريّة «المكلَّف المركّب» ومثال «رفع الحجر»

  • مناقشة مثال «رفع الحجر»

  • موقف المحقّق الأصفهاني: امتناع تعلّق الحكم بمجموع الأشخاص

  • نقد مبنى الأصفهاني في ضوء حقيقة الحكم والخطابات القانونيّة

  • إمكانيّة تعلّق الحكم بـ «المجموع من حيث المجموع» في الفقه الاجتماعيّ

  • التقييم النهائيّ لاحتمال «مجموع المكلّفين» في الواجب الكفائيّ وموقف الشهيد الصدر

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
 
مُحصّل البحث المتقدّم

استعرضنا في الجلسة السابقة بالبيان والنقد احتمال كون المكلَّف في الواجب الكفائيّ «واحداً معيّناً عند الله». ومؤدّى هذا الاحتمال أنّ التكليف في الواقع ينصبّ حصراً على عهدة فردٍ خاصٍّ معلومٍ عند الله سبحانه وإن كان مجهولاً لدينا، وأنّ إتيانه بالفعل أو إتيان غيره به يوجب سقوط هذا التكليف. وقد أقصى المحقّق الأصفهاني هذا الاحتمال صراحةً بعبارته «الواحد المعيّن مفروض العدم هنا»، مقرّراً أنّه لو كان حامل التكليف منذ البدء شخصاً متعيّناً، لكنّا حقيقةً أمام واجبٍ عينيٍّ شخصيّ لا واجبٍ كفائيّ بالمعنى المبحوث عنه. 
وفي السياق نفسه، كرّ السيّد الخوئي في «المحاضرات» على هذا التصوير بالنقض عبر ثلاثة إشكالات. فعدّه أوّلاً منافياً لظاهر الأدلّة القاضية بتعلّق التكليف بـ «طبيعيّ المكلّف» لا بفردٍ واحدٍ معيّن. وقد ناقشنا هذا الاستظهار على اعتبار أنّ كثيراً من الأدلّة (كقولنا «دفن الميّت واجب») لا تذكر المكلّف لفظاً، وأنّ استنباط «طبيعيّ المكلّف» يمثّل تحليلاً عقليّاً ثانويّاً أكثر من كونه ظهوراً لفظيّاً. وثانياً، استشكل المحقّق الخوئي بأنّ سقوط تكليف ذلك الفرد المعيّن بفعل غيره يُعدّ خلافاً للقاعدة، إذ الأصل يقتضي عدم سقوط التكليف الشخصيّ إلا بامتثال الشخص نفسه، ولا ينهض فعل الغير مقام المُسقط إلا بدليلٍ خاصّ (كنظيره في باب النيابة في الحجّ). 
والقراءة الصحيحة للواجب الكفائيّ المبتنية على تعميم الخطاب لنوع المكلّفين تندفع عنها هذه الإشكاليّة. بيد أنّ فرضيّة «الواحد المعيّن» من دون الاستناد إلى نصٍّ خاصّ، تجعل من سقوط التكليف الشخصيّ بفعل الغير أمراً عارياً عن الدليل. وثالثاً، ذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ التكليف المتعلّق بفردٍ معيّنٍ مجهول يُعدّ من مجاري البراءة للجهل العامّ بصغرى التكليف، ممّا يؤول به إلى اللغويّة. وهذا الإطلاق في الإشكال يبتني على مسلكٍ خاصٍّ في تنجيز العلم الإجماليّ ولا ينهض تامّاً على إطلاقه. ومع ذلك، فقد استند (قدّس سرّه) في تتمّة كلامه إلى نكتةٍ أكثر متانة، مقرّراً أنّ نسبة الغرض الواحد في الواجب الكفائيّ متساويةٌ إلى كافّة المكلّفين. فتخصيص فردٍ بعينه لحمل التكليف واقعاً يُعدّ «تخصيصاً بلا مخصّص وترجيحاً بلا مرجّح»، ويصادم بوضوحٍ روح الواجب الكفائيّ والمرتكز العقلائيّ. والمحصّل النهائيّ للبحث يقضي بأنّ فرضيّة «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله» في الواجب الكفائيّ ممّا لا يمكن الالتزام به تحقيقاً، وتتعيّن الإطاحة بها خارج دائرة الاحتمالات المعقولة.

دراسة احتمال «مجموع المكلّفين من حيث المجموع» كـ «مكلَّفٍ» في الواجب الكفائيّ

من جملة الاحتمالات المطروحة في سبر أغوار الواجب الكفائيّ، القول بأنّ المكلَّف ليس فرداً متعيّناً ولا «أحد المكلّفين»، بل هو «مجموع آحاد المكلّفين من حيث المجموع». أي أنّ الخطاب يتوجّه إلى مكلَّفٍ جمعيٍّ ومركّب، كأنّه كلٌّ اعتباريٌّ يتألّف من الأفراد. وقد صاغ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) هذا الاحتمال بقوله:

الثاني: أن يقال: التكليف في الواجبات الكفائيّة متوجّهٌ إلى مجموع آحاد المكلّفين من حيث المجموع، بدعوى أنّه كما يمكن تعلّق تكليفٍ واحدٍ شخصيٍّ بالمركّب من الأمور الوجوديّة والعدميّة على نحو العموم المجموعيّ إذا كان الغرض المترتّب عليه واحداً شخصيّاً، كذلك يمكن تعلّقه بمجموع الأشخاص على نحو العموم المجموعيّ.[1]

ومفاد ذلك أنّه إذا جاز في جانب «المتعلَّق» أن يتعلّق التكليف الواحد الشخصيّ بـ «المركّب» (كالصلاة بأجزائها وشرائطها) على نحو العموم المجموعيّ، فما المانع من جريان الأمر ذاته في جانب «المكلَّف»، بحيث يقع مجموع الأشخاص على نحو العموم المجموعيّ طرفاً للتكليف؟ وفي سياق تقرير هذه النظريّة، يعرض الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه) مثال «رفع الحجر الثقيل»، قائلاً:

...كما إذا كُلِّف مجموع العشرة ـ مثلاً ـ بتحريك هذا الحجر الّذي لا يمكن لكلّ فردٍ منهم مستقلّاً تحريكه، فكما أنّه في المثال يوجد تكليفٌ واحدٌ على المجموع بتحريك الحجر، فكذلك في الواجب الكفائيّ إن أُريد هذا المعنى.[2]

وعلى هدي هذا المثال، يتسنّى للمولى أن يأمر بلسان: «ارفعوا جميعكم هذه الصخرة الثقيلة»، ليفهم العرف توجّه تكليفٍ واحدٍ لـ «الهيئة المجتمعة». ومحطّ البحث الآن يتمركز حول مدى قابليّة هذا التحليل للصمود كقراءةٍ لحقيقة الواجب الكفائيّ.

النقد العرفيّ لنظريّة «المكلَّف المركّب» ومثال «رفع الحجر»
التفكيك بين المتعلَّق المركّب والمكلَّف المركّب


إنّ القياس الذي ساقه السيّد الخوئي بين «المكلَّف المركّب» و«المتعلَّق المركّب» لا يخلو من خدشة. ففي المتعلَّق المركّب كالصلاة، نحن إزاء فعلٍ واحدٍ انتزاعيٍّ تلتئم أجزاؤه (من التكبير والقراءة والركوع والسجود والتروك) لتصدر من فاعلٍ واحدٍ شخصيّ. أمّا في «المكلَّف المركّب»، فمحطّ النزاع هو تركّب موضوع الحكم نفسه من أفرادٍ شتّى، ليقع عنوان «مجموع المكلّفين» ككلٍّ جمعيٍّ في دائرة التكليف. والحال أنّه في العرف التشريعيّ، متى ما قال الشارع: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فإنّ صيغة الجمع تنحلّ تلقائيّاً إلى خطاباتٍ فرديّةٍ مفادها «يا أيّها المؤمن، أقم الصلاة». ولا يتبادر منها توجّه الخطاب إلى شخصيّةٍ جمعيّةٍ مستقلّةٍ تُدعى «مجموع المؤمنين».

فلو أصررنا على افتراض المكلَّف «مجموعاً من حيث المجموع»، لوقعنا بين محذورين: إمّا أن نخلع على هذا المجموع شخصيّةً اعتباريّةً كـ «الشخصيّة المعنويّة» ونجعلها مكلّفاً مستقلاً. وإمّا أن ندّعي أنّ عنوان «مجموع المؤمنين» بما هو مجموع يقع موضوعاً للثواب والعقاب. ففي الشقّ الأوّل، سيتوجّه الخطاب إلى تلك الشخصيّة الاعتباريّة لا إلى الأفراد، وهذا التخريج لا يمتّ بصلةٍ لحقيقة الواجب الكفائيّ المتعارف الذي يتوزّع فيه التكليف على الآحاد. وفي الشقّ الثاني، فإنّ «المجموع بما هو مجموع» يفتقر إلى وجودٍ استقلاليٍّ في الخارج لكي ينهض بحمل التكليف واستحقاق المثوبة والمؤاخذة، بل وجوده دائرٌ مدار انحلاله في وجودات الأفراد.

مناقشة مثال «رفع الحجر»

يعمد الشهيد الصدر في مقاربته للنظريّة إلى طرح مثال «رفع الحجر الثقيل»، مدّعياً أنّه كما يصحّ القول بأنّ «مجموع العشرة» مكلّفٌ بتحريك الحجر، فكذلك يسوغ في الواجب الكفائيّ اعتبار المكلّف هو «مجموع المكلّفين». بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يتدخّل هنا ليقرّر أنّ المجموع بما هو مجموع لا يمثّل المكلّف الحقيقيّ في مثل هذه الموارد. حيث يقول:

وأمّا أمرُ مجموعِ أشخاصٍ برفع الحجر الواحد الّذي لا يرفعه إلاّ مجموعُ العشرة ـ مثلاً ـ فمرجعه إلى أمرِ كلِّ واحدٍ بإعمالِ قدرته في ما له المدخليّة في رفع الحجر بشرطِ الانضمام، حيث إنّ أثرَ قدرةِ كلّ واحدٍ لا يتبيّن إلاّ بالانضمام. مع أنّ الواجب الكفائي يحصل بفعل البعض، ويسقط عن الباقين، فلا معنى لأمرِ المجموعِ الّذي لازمه عدمُ حصولِ الامتثال بترك البعض.[3]

وبعبارةٍ أخرى، فإنّ العرف يفهم من خطاب «ارفعوا هذا الحجر معاً» أنّ كلّ فردٍ مأمورٌ بإعمال وسعه بمقدار مدخليّته في الرفع. فالفعل الجماعيّ (رفع الصخرة) هو الأثر المترتّب على حصيلة الأفعال الفرديّة المتظافرة، فيكون المكلّف الحقيقيّ هو الأفراد بأعيانهم، لا عنوان «المجموع» بما هو مجموع. وتأسيساً على ذلك، لا يتمّ تشبيه الواجب الكفائيّ بهذه الخطابات لإثبات مكلّفيّة «مجموع المكلّفين» حقيقةً. فالاحتمال الأقرب إلى المرتكز العرفيّ في أمثال هذه الخطابات هو انحلال التكليف إلى الآحاد.

موقف المحقّق الأصفهاني: امتناع تعلّق الحكم بمجموع الأشخاص

وإلى جانب هذا التحليل العرفيّ، يقرّر المحقّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) الامتناع الثبوتيّ لتعلّق الحكم بمجموع المكلّفين، مستنداً في ذلك إلى مبناه الخاصّ القائل بأنّ حقيقة الحكم هي «جعل الداعي»، حيث يقول:

وأمّا المجموع من حيث المجموع، فنقول: تعلّق الأمر الواحد الشخصيّ بمجموع أفعالٍ بحيث يترتّب الغرض على مجموعها ـ وعدم ترتّبه رأساً بفقد بعضها ـ أمرٌ معقول. وأمّا تعلّق الحكم بمجموع أشخاص ـ مع أنّه لجعل الداعي ـ فهو غير معقول، إذ ليس مجموعُ الأشخاص شخصاً ينقدح الداعيُ في نفسه، بل لا بدّ من انقداحِ الداعي في نفس كلّ واحد. وهو مع شخصيّة البعث محال، فلا بدّ من تعدّده، فيؤول الأمر إلى تعلّق أفرادٍ من طبيعيّ البعث بأفرادٍ من عنوانِ المكلّف.[4]

ومحصّل برهانه أنّ تعلّق الأمر الواحد الشخصيّ بـ «مجموع الأفعال» (كالمركّب ذي الأجزاء) أمرٌ ممكنٌ عقلاً، لترتّب الغرض على المجموع. بيد أنّ تعلّق الحكم بـ «مجموع الأشخاص» يغدو ممتنعاً إذا لاحظنا تقوّم الحكم بـ «جعل الداعي». فـ «مجموع الأشخاص» لا يمثّل ذاتاً واحدةً وشخصاً مستقلاً كي ينقدح الداعي في نفسه، بل يستلزم الأمر انقداح الداعي في نفس كلّ فردٍ منهم على حدة. وهذا يتنافى بوضوحٍ مع فرضيّة «وحدة البعث وشخصيّته». فلا مناص إذن من القول بتعدّد البعث وتكثّره، لينتهي المطاف إلى تعلّق الأوامر المتعدّدة بآحاد المكلّفين، لا بـ «المجموع بما هو مجموع».

وكما مرّ في ذيل عبارته، فقد أرجع (قدّس سرّه) مثال «رفع الحجر» إلى هذا المبنى عينه، مصرّحاً بانتفاء الأمر الواحد المتوجّه لمجموع الأشخاص حقيقةً، وانحلاله إلى أمرٍ لكلّ فردٍ بإعمال قدرته «بشرط الانضمام».

نقد مبنى الأصفهاني في ضوء حقيقة الحكم والخطابات القانونيّة

يبتني هذا التقريب بتمامه على مسلك المحقّق الأصفهاني الخاصّ القاضي بكون حقيقة الحكم هي «جعل الداعي». أمّا بناءً على المختار ـ تبعاً للمؤسّس الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائري (قدّس سرّه) ـ فإنّ حقيقة الحكم لا تتقوّم بجعل الداعي في نفوس المكلّفين، بل الحكم والإنشاء ما هو إلا إبرازٌ وحكايةٌ عن حقيقةٍ نفسانيّةٍ قائمةٍ بالمولى، كالإرادة أو الطلب أو اعتبار الوجوب والحرمة. فالإنشاء إذاً هو مظهرٌ وكاشفٌ عن هذا الاعتبار، وليس عمليّة «خلقٍ» للداعي في نفس المخاطَب ذاتها.

وعليه، وإن صحّ أن يكون ترتّب الداعي في نفس المكلّف من «آثار» الحكم في بعض الموارد، إلا أنّه ليس «مُقوّماً» لذات الحكم وماهيّته، لكي يُستشكل بـ «عدم وجود شخصٍ للمجموع ينقدح في نفسه الداعي». وتتأكّد هذه القراءة في ظلّ تبنّي مبنى «الخطابات القانونيّة». فالشارع في مقام الجعل لا يلحظ مخاطَباً شخصيّاً بعينه ليستهدف انقداح الداعي في نفسه مباشرةً، بل يسنّ قانوناً عامّاً للشريعة، مقرّراً «إنّ الصلاة والصيام واجبان في شريعتي». وفي مثل هذا الجعل، لا يكون «الفرد» بما هو فردٌ موضوعاً للحكم، بل يقع اللحاظ على العنوان الكلّيّ كـ «المؤمن» أو «الناس».

ويتجلّى هذا التحليل بوضوحٍ في مسألة تكليف الكفّار بالفروع. فالمشهور ـ وهو المختار لدينا أيضاً ـ أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع العمليّة كطالبتهم بالأصول. والحال أنّ الشارع الحكيم يعلم علم اليقين بانتفاء انقداح الداعي للامتثال في نفوس الكثيرين منهم. فلو كانت حقيقة الحكم متقوّمةً بالذات بـ «جعل الداعي»، لكان تشريع هذه الأحكام في حقّ الكفّار لغواً وعارياً عن الوجه. بينما يستقيم الأمر بناءً على المبنى الصحيح القاضي بأنّ الحكم حكايةٌ عن إرادة الشارع واعتباره، سواءٌ أدّى فعلاً إلى قدح الداعي في نفس المخاطَب أم تخلف عن ذلك لوجود موانع خارجيّة.

وتأسيساً على ذلك، يتبيّن عدم تماميّة الامتناع الثبوتيّ الذي أرساه المحقّق الأصفهاني لتعلّق الحكم بـ «مجموع المكلّفين». إذ إنّ هذا الامتثال وليدٌ شرعيٌّ لتحليله الخاصّ لحقيقة الحكم، وبانهيار ذلك المبنى، ينفتح المجال ثبوتاً لإمكانيّة تعلّق الحكم بالعناوين الجمعيّة.

إمكانيّة تعلّق الحكم بـ «المجموع من حيث المجموع» في الفقه الاجتماعيّ

والنقطة الأشدّ إلحاحاً تتجلّى عند الرجوع إلى القرآن الكريم، حيث نلحظ بوضوحٍ أنّ شطراً من الأحكام الشرعيّة يمتلك ماهيّةً اجتماعيّةً أصيلة، بحيث يكون متعلَّقها وموضوعها هو «فعل المجتمع»، لا فعل الفرد المنعزل. ومثال ذلك البارز قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.[5] فالظاهر أنّ المولى سبحانه يطلب «السِّلم» كواقعٍ جمعيٍّ وحالةٍ كلّيّةٍ لمجتمع المؤمنين. فسِلم الفرد الواحد بما هو فردٌ لا يحقّق المطلوب الاستقلاليّ، بل مصبّ الطلب هو سِلم «مجموع المؤمنين».

وكذا مفاد قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[6] ـ مع غضّ النظر عن التوسعات الروائيّة ـ يكمن في نفي أيّ سلطةٍ أو هيمنةٍ للكافرين على «المؤمنين» بما هم مجموع؛ أي يمتنع شرعاً أن يقع مجتمع المؤمنين ككيانٍ موحّدٍ تحت نير الكافرين.

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾،[7] يرجع الضمير «أنتم» إلى مجتمع المسلمين. فالآية تستهدف إرساء «مجموع المسلمين» في مقام العلوّ والرفعة على سائر الأمم. ففي هذه الطائفة من الآيات، لا يقتصر موضوع الحكم على ذوات الأفراد، بل يتعدّاهم إلى «مجتمع المؤمنين بما هو مجموع». وهذا يبرهن على أنّ تعلّق الحكم بـ «المجموع من حيث المجموع» كمكلَّفٍ اعتباريّ ليس أمراً معقولاً فحسب، بل له شواهد جليّةٌ في نصوص الشريعة. وعليه، فإنّ المبنى القاضي بالامتناع العقليّ لمثل هذا التعلّق يصادم واقع النصوص القرآنيّة وهيكليّة الفقه الاجتماعيّ.

التقييم النهائيّ لاحتمال «مجموع المكلّفين» في الواجب الكفائيّ وموقف الشهيد الصدر

ومع ذلك كلّه، يجب التفكيك بدقّةٍ بين الإمكان الثبوتيّ لتعلّق الحكم بـ «المجموع من حيث المجموع» وبين تطبيقه لتفسير حقيقة الواجب الكفائيّ المصطلح. فمن الناحية الثبوتيّة، وبناءً على مبنى «اعتباريّة الحكم المولويّ»، فإنّ تعلّق الحكم بالمجموع بما هو مجموع أمرٌ معقولٌ تماماً، وله شواهد قرآنيّة تسنده. بيد أنّه في مقام تحليل حقيقة الواجب الكفائيّ، فإنّ مقولة «إنّ المكلَّف في الواجبات الكفائيّة هو مجموع المكلّفين من حيث المجموع» تتصادم مع الخصائص الارتكازيّة لهذا النحو من الوجوب. فالواجب الكفائيّ يتقوّم ارتكازاً بـ «كفاية فعل أحدهم». ولو كان المكلَّف هو «المجموع» حقيقةً، للزمنا إمّا القول بضرورة مشاركة الجميع في الامتثال (فيخرج عن كونه واجباً كفائيّاً بالمعنى المعروف)، وإمّا التكلّف في تبرير سقوط التكليف عن المجموع رغم الترك الواقعيّ لبعض أجزائه (وهو توجيهٌ لا يخلو من عسف). وقد التفت الشهيد الصدر (قدّس سرّه) إلى شطرٍ من هذه التعقيدات، فصاغ ملاحظاته قائلاً:

أوّلاً: إنّ بعض الواجبات الكفائيّة لا يُتعقّل فيه فعلٌ واحدٌ يصدر من الجميع بنحو الاشتراك، كالصلاة على الميّت مثلاً، فإنّ صلاةَ كلّ مكلّفٍ عليه غيرُ صلاةِ المكلّف الآخر.

وثانياً: إنّ هذا المعنى راجعٌ بحسب الحقيقة إلى وجوباتٍ عديدةٍ بالنسبة لكلّ مكلّف، ولكنّ متعلّقه ليس هو رفع الحجر بل المشاركة فيه، ولهذا يكون هناك امتثالاتٌ عديدةٌ وعصياناتٌ متعدّدةٌ أيضاً، وتطبيق هذا على الواجب الكفائيّ لا ينسجم مع خصائصه المتقدّمة حيث يسقط التكليف بامتثال فردٍ واحد.[8]

تفصيل الإشكالين: يستند الإشكال الأوّل إلى تخلّف قابليّة «الصدور المشترك للفعل الواحد» في كثيرٍ من الواجبات الكفائيّة. ففي مثال الصخرة، تتظافر القوى لإحداث «فعلٍ خارجيٍّ واحد» (التحريك). بينما في الصلاة على الميّت مثلاً، يستحيل تعقّل ذلك. فصلاة زيدٍ مستقلّةٌ هويّةً ووجوداً عن صلاة عمرو، ولا يُتصوّر صدور «صلاةٍ واحدةٍ مشتركةٍ من الجميع». وعليه فإنّ تنزيل الواجب الكفائيّ على قالب «الفعل الواحد المشترك الصادر من المجموع» سالبةٌ بانتفاء الموضوع في هذه الموارد.

وأمّا الإشكال الثاني، فيسبر أغوار مثال الصخرة ليكشف عن مآله إلى وجوباتٍ متعدّدة. إذ في التحليل الدقيق، يكون متعلَّق التكليف في حقّ كلّ فردٍ هو «المشاركة في التحريك»، لا التحريك بتمامه ككلٍّ واحد. وهذا يُنتج بالضرورة وجوباتٍ متعدّدة (وجوب المشاركة لزيد، ووجوبها لعمرو، وهكذا). ويستتبع ذلك تعدّداً في الامتثال (لكلّ من شارك) وتعدّداً في العصيان (لكلّ من تخلّف). وهذا الهيكل يصادم خصائص الواجب الكفائيّ المتقوّم بسقوط التكليف عن الباقين بامتثال الفرد الواحد، دون الحاجة إلى مشاركة الجميع. بينما في التحليل المذكور للمجموع، فإنّ تخلّف أيّ فردٍ عن المشاركة يُعدّ عصياناً مستقلاً، حتّى لو تحرّكت الصخرة بجهود الآخرين. والنتيجة أنّ هذا التصوير يؤول عمليّاً إلى وجوباتٍ عينيّةٍ شخصيّةٍ متعدّدة، وهو ما يتنافى مع مبدأ سقوط الوجوب بفعل الواحد.

مناقشة فرضيّة «الوحدة الاعتباريّة للمجموع»

ثمّ ينتقل الشهيد الصدر لمناقشة احتمالٍ آخر، وهو افتراض «جعل مجموع المكلّفين مكلَّفاً واحداً بالوحدة الاعتباريّة»، فيفنّده بقوله:

...وإن أُريد جعلُ مجموعِ المكلَّفين مكلَّفاً واحداً بالوحدة الاعتباريّة... ورد عليه: أنّ هذه الوحدة الاعتباريّة إنّما تُتعقّل في طرف متعلّق التكليف أي المكلَّف به... وأمّا في جانب المكلَّف فعنوانُ مجموع المكلَّفين الواحد بالاعتبار ليس مكلَّفاً حقيقةً صالحاً لتشغيل ذمّته بالتكليف، وإنّما المكلَّف حقيقةً إنّما هو كلّ فردٍ فردٍ، فلا يُعقل افتراضُ امتثالٍ واحدٍ وعصيانٍ كذلك للمجموع.

وهذا التقريب ينسجم في روحه مع ما أسّس له المحقّق الأصفهاني بناءً على مبنى «جعل الداعي». وقد مرّ بنا أنّ هذا المبنى غير تامٍّ على المختار في حقيقة الحكم.

النتيجة النهائيّة

وتأسيساً على ما تقدّم، تتلخّص النتيجة في أنّ تعلّق الحكم بـ «المجموع من حيث المجموع» كمكلَّفٍ اعتباريّ، وإن كان معقولاً ثبوتاً ومتحقّقاً في بعض الأحكام الاجتماعيّة للشريعة، إلا أنّه قاصرٌ عن تفسير حقيقة «الواجب الكفائيّ» المعهود. إذ يتصادم هذا التفسير مع الخصائص المرتكزة للواجب الكفائيّ (كالاكتفاء بفعل أحدهم وعدم لزوم المشاركة الجماعيّة)، كما يتقاطع مع المختار في حقيقة الواجب الكفائيّ القائم على تعلّق الطلب بـ «صرف الوجود» وإيكال تعيين الفاعل إلى حكم العقل. وعليه فإنّ هذا الاحتمال ساقطٌ في مقام تبيين الماهيّة الأصوليّة للواجب الكفائيّ، وإن كان يشرع أفقاً مستقلاً في رحاب الفقه الاجتماعيّ.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-------------------
[1]. ‏خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 53.
[2]. ‏الصدر، محمد باقر، «بحوث في علم الأصول‏»، با محمود هاشمی شاهرودی، ج 2، ص 427.
[3]. ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 279.
[4]. المصدر نفسه.
[5]. البقرة: 208.
[6]. النساء: 141.
[7]. آل عمران: 139.
[8]. ‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏، ج 2، ص 427.

----------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول‏، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ ج، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام‏، 1417.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.


الملصقات :

الخطابات القانونيّة الواجب العيني الواجب الكفائي رفع الحجر الفقه الاجتماعيّ مجموع المكلّفين العموم المجموعيّ جعل الداعي المشاركة في الفعل الوجوبات المتعدّدة الامتثال المتعدّد

نظری ثبت نشده است .