درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٢٩


شماره جلسه : ۶۲

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • الإمكان الثبوتيّ لتعلّق التكليف بـ «المجموع من حيث المجموع» ونسبته إلى الواجبات الاجتماعيّة

  • الشواهد القرآنيّة على التكليف الجمعيّ: «القوم» و«الأمّة» كموضوعٍ للحكم

  • نقد مبنى المحقّق البروجردي في نفي مكلّفيّة المجموع

  • التمييز بين تقسيمين: الفرديّ/الاجتماعيّ والعينيّ/الكفائيّ

  • مقام الإثبات في الواجب الكفائيّ ونظريّة «مجموع المكلّفين من حيث المجموع»

  • تقرير كلام السيّد الخوئي ومناقشته

  • تحليل المحقّق الفاضل اللنكراني لفرضيّة «المجموع»

  • خاتمة المطاف في مقام الإثبات

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
 
مُحصّل البحث المتقدّم

تناولنا في الجلسة السابقة بالدراسة والنقد احتمال كون المكلَّف في الواجب الكفائيّ هو «مجموع المكلّفين من حيث المجموع». ومؤدّى هذا الاحتمال أنّ التكليف الكفائيّ ينصبّ على كلٍّ جمعيٍّ مؤتلفٍ من الأفراد (المكلَّف المركّب)، لا على الآحاد المنفصلين. وقد صاغ السيّد الخوئي هذا الاحتمال قياساً على تعلّق التكليف الواحد بـ «المتعلَّق المركّب» كالصلاة، بينما قرّبه الشهيد الصدر بمثال «رفع الحجر الثقيل بواسطة مجموع العشرة». 
وفي مقام النقد العرفيّ قرّرنا لزوم التفكيك بين «المتعلَّق المركّب» و«المكلَّف المركّب». ففي الأوّل نحن إزاء فعلٍ واحدٍ انتزاعيّ يلتئم من أجزاء ويصدر من فاعلٍ شخصيٍّ واحد. أمّا في الثاني فيُفترض أن يحظى موضوع الحكم نفسه بشخصيّةٍ جمعيّة. والحال أنّ الظهور العرفيّ في الخطابات المتداولة كقوله تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يقضي بانحلال الخطاب إلى الأفراد، ولا يُستظهر منه جعل «شخصيّة جمعيّة» لتكون هي المكلَّف. وقد انتهى المحقّق الأصفهاني من زاوية تحليله لحقيقة الحكم (جعل الداعي) إلى امتناع تعلّق الحكم بـ «مجموع الأشخاص»، ذلك أنّ «مجموع الأشخاص» لا يمثّل نفساً واحدةً ينقدح فيها الداعي، ممّا يضطرّنا إلى القول بتكثّر البعث وتعلّقه بكلّ فردٍ على حدة. بيد أنّه بناءً على النظريّة المختارة لدينا القاضية بكون الحكم إبرازاً للإرادة لا جعلاً للداعي ومبنى الخطابات القانونيّة، فإنّ دعوى الامتناع الثبوتيّ العامّ غير مسلّمة. 
وتشهد نصوصٌ كقوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ و﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ على أنّ تعلّق الحكم بالمجتمع و«مجموع المؤمنين» أمرٌ معقولٌ ثبوتاً وواقعٌ إثباتاً. ومع ذلك فإنّ تطبيق هذه الهيكليّة على حقيقة الواجب الكفائيّ المصطلح (حيث يُكتفى بفعل أحدهم ولا تلزم المشاركة الجماعيّة) يصطدم بعدّة إشكاليّات. ففي كثيرٍ من الواجبات الكفائيّة كالصلاة على الميّت لا يُتصوّر صدور «فعلٍ واحدٍ مشترك» من الأساس. كما أنّ إرجاع التحليل إلى «وجوب المشاركة» يؤول حتماً إلى تكثّر الوجوبات وتعدّد الامتثالات والعصيانات، وهو ما يتنافر بوضوحٍ مع الخصائص المرتكزة للواجب الكفائيّ المتمثّلة في كفاية فعل الواحد وسقوط التكليف عن الآخرين. والمحصّل النهائيّ للبحث هو أنّه وإن كان تعلّق التكليف بـ «المجموع من حيث المجموع» معقولاً وواقعاً في نطاق الفقه الاجتماعيّ، إلا أنّ اعتماده لتفسير حقيقة الواجب الكفائيّ ممّا لا يمكن الالتزام به.

الإمكان الثبوتيّ لتعلّق التكليف بـ «المجموع من حيث المجموع» ونسبته إلى الواجبات الاجتماعيّة

في مقام استكناه حقيقة الواجب الكفائيّ برز احتمالٌ يقضي بأنّ المكلَّف ليس فرداً متعيّناً ولا «أحد المكلّفين» على نحو البدليّة، بل هو «مجموع المكلّفين من حيث المجموع»، أي المجتمع بما هو مجتمع. وقد تصدّى المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) لإبطال هذا الاحتمال مستنداً إلى مبناه الخاصّ في «حقيقة الحكم». فبناءً على تفسيره للحكم بـ «جعل الداعي»، قرّر في «نهاية الدراية» أنّ تعلّق الأمر الواحد بمجموع الأفعال (المتعلَّق المركّب) أمرٌ معقول. بيد أنّ تعلّق الحكم بـ «مجموع الأشخاص» يغدو ممتنعاً إذا افترضنا أنّ الغاية من الحكم هي «جعل الداعي في نفس المكلَّف». ذلك أنّ «مجموع الأشخاص» لا يشكّل شخصاً واحداً ذا هويّةٍ مستقلّةٍ كي ينقدح الداعي في نفسه.

وقد أسلفنا المناقشة في مبناه (قدّس سرّه) المتمثّل في مساوقة حقيقة الحكم لجعل الداعي. وذهبنا تبعاً للمحقق الحائري (قدّس سرّه) إلى أنّ الحكم عبارةٌ عن «الاعتبار المولويّ» وأنّ الإنشاء هو «إبرازٌ لذلك الاعتبار» وليس عيناً لجعل الداعي. وعلى ضوء هذا المختار، فإنّ دعوى امتناع وقوع «المجموع بما هو مجموع» مكلّفاً وموضوعاً للحكم غير تامّةٍ ثبوتاً. إذ يمكن للشارع أن ينيط اعتبار الوجوب أو الحرمة بذمّة الفرد تارةً، وأن يجعله في عهدة المجتمع بما هو مجتمع تارةً أخرى، من دون أن يكون مضطرّاً منذ البدء إلى استهداف قدح الداعي في نفس شخصٍ متعيّن.

وتأسيساً على ذلك يمكن القول في الواجبات الاجتماعيّة إنّ الغرض واحدٌ والفعل المطلوب هو فعلٌ اجتماعيٌّ واحد (كتحقيق السِّلم في المجتمع، والعلوّ الجمعيّ، ونفي سلطة الكفّار عن مجموع المؤمنين). ويكون المكلَّف حقيقةً في هذه الموارد هو «مجموع المكلّفين من حيث المجموع»، أي المجتمع بوصفه وحدةً اعتباريّةً متماسكة. ولو طرحنا في قبال هذا التصوير فرضيّة أنّ المكلَّف في الواجبات الاجتماعيّة هو «كلّ واحدٍ واحدٍ على سبيل الاستغراق»، للزم من ذلك تفكيك الخطاب إلى تكاليف مستقلّة وامتثالاتٍ وعصياناتٍ منفصلةٍ لكلّ فرد. والحال أنّه من الواضح في فقه الأحكام الاجتماعيّة أنّ الشارع ينظر إلى الهيئة الكلّيّة للمجتمع، ولا يقتصر غرضه على مجرّد تجميع الامتثالات الفرديّة المتناثرة. ومن هنا يتجلّى أنّ تعلّق التكليف بـ «المجموع من حيث المجموع» في ساحة الواجبات الاجتماعيّة أمرٌ معقولٌ ثبوتاً ومتطابقٌ مع واقع الشريعة تماماً.

الشواهد القرآنيّة على التكليف الجمعيّ: «القوم» و«الأمّة» كموضوعٍ للحكم

ولتعضيد هذا التحليل، يمكن الاستناد إلى طائفةٍ من الآيات القرآنيّة التي اتّخذت من العناوين الجمعيّة كـ «القوم» و«الأمّة» موضوعاً للحكم وترتيب الآثار. ونشير فيما يلي إلى نماذج منها:

١. التقدير الاجتماعيّ: ينطق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[1] بصراحةٍ عن تقديرٍ يخصّ «القوم». فكما يُتصوّر للفرد مصيرٌ شخصيّ، فكذلك يُلحظ للقوم مصيرٌ اجتماعيّ. فاللّه سبحانه لا يغيّر واقع قومٍ ما لم يُحدثوا هم تغييراً باطنيّاً على المستوى الجمعيّ.

٢. الأجل الاجتماعيّ: يقرّر قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾[2] أنّه كما ضُرب للفرد أجلٌ محتوم، فقد جُعل لـ «الأمّة» أجلٌ مقدّرٌ أيضاً. وتكملة الآية: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ تُحمل بوضوحٍ على الأجل الجمعيّ والمصير المشترك للمجتمع.

٣. العذاب الاجتماعيّ: إنّ الآيات المتكفّلة بذكر عذاب الأمم الغابرة (كعادٍ وثمود وقوم لوط وقوم نوح) توجّه العذاب في الغالب إلى «القوم» كهويّةٍ واحدة، لا إلى مجرّد آحادٍ متفرّقين. وهذا يمثّل عذاباً اجتماعيّاً يحيق بوحدةٍ جمعيّةٍ متكاملة.

ويُستخلص من هذه المنظومة القرآنيّة أنّ «القوم» و«الأمّة» و«مجتمع المؤمنين» تقع بنفسها موضوعاً للأحكام والسنن الإلهيّة، وليست مجرّد عناوين اعتباريّةٍ فارغةٍ من الأثر. وعليه، يثبت أنّ عنوان «المجموع من حيث المجموع» يمثّل حقلاً حقيقيّاً لجعل الآثار والأحكام في مستوى النصوص الدينيّة.

نقد مبنى المحقّق البروجردي في نفي مكلّفيّة المجموع

يلتقي المحقّق البروجردي (قدّس سرّه) مع المحقّق الأصفهاني في إنكار وقوع «المجموع من حيث المجموع» مكلّفاً في الواجب الكفائيّ، حيث يقرّر في بيانه:

أنّ المجموع من حيث المجموع أمرٌ اعتباريٌّ لا حقيقةَ له وراء الآحاد، فلا يمكنُ أن يتوجّه إليه الطلب، إذ الطلبُ إنّما يتوجّهُ إلى الإنسانِ العاقلِ القادرِ المختار، و لا تصدقُ على المجموع من حيث المجموع هذه العناوين.[3]

ومفاد كلامه أنّ «المجموع» مجرّد عنوانٍ اعتباريٍّ يفتقر إلى واقعٍ مستقلٍّ وراء الأفراد، فلا يصلح لتوجّه الطلب إليه؛ لتقوّم الطلب باشتراط العقل والقدرة والاختيار، وهي أوصافٌ تمتنع نسبتها إلى عنوان «المجموع» بما هو. بيد أنّ هذا التقريب يواجه ملاحظتين أساسيّتين:

أوّلاً: لقد استقرّ المرتكز العقلائيّ على الاعتراف بـ «شخصيّةٍ حقوقيّةٍ» للمجموع والمجتمع. وما تداول العناوين كـ «الأمّة» و«الدولة» و«الشخصيّة المعنويّة» إلا دليلٌ ناصعٌ على أهليّة هذه الوحدات الاعتباريّة لتحمّل الحقوق والواجبات بمعزلٍ عن آحادها.

ثانياً: كما مرّ في الشواهد، فقد اتّخذ الشارع المقدّس في كتابه العزيز من العناوين الجمعيّة («القوم» و«الأمّة») موضوعاً لترتيب آثارٍ كبرى كالأجل والتقدير والعذاب. فإذا كان «المجموع» مؤهّلاً لحمل هذه السنن التكوينيّة والجزائيّة، فما المانع من أهليّته لحمل التكاليف العمليّة؟

وبناءً على مختارنا في تفسير الحكم بـ «الاعتبار المولويّ»، يرتفع أيّ محذورٍ عقليٍّ في أن ينيط الشارع اعتبار الوجوب أو الحرمة بذمّة الفرد تارةً، وبذمّة المجتمع (المجموع من حيث المجموع) تارةً أخرى.

وحينئذٍ، ترجع «الشرائط العامّة للتكليف» (من عقلٍ وبلوغٍ واختيار) إلى آحاد هذا المجموع، أي أنّ قوام المجتمع بأفرادٍ يتّصفون بهذه الخصائص يمثّل المسوّغ الكافي لصحّة توجيه التكليف الاجتماعيّ. ولا يشترط أن يُطلق وصف «العاقل والبالغ» على ذات عنوان «المجتمع» باستقلال.

التمييز بين تقسيمين: الفرديّ/الاجتماعيّ والعينيّ/الكفائيّ

يتعيّن هنا إرساء تفكيكٍ دقيقٍ بين تقسيمين محوريّين للتكليف:

1. التقسيم بلحاظ موضوع التكليف (الفرديّ والاجتماعيّ): ينقسم الواجب بهذا اللحاظ إلى «واجبٍ فرديّ»، يكون المكلَّف فيه فرداً متعيّناً، و«واجبٍ اجتماعيّ» يتّخذ من «المجتمع» (المجموع من حيث المجموع) موضوعاً ومكلَّفاً.

2. التقسيم بلحاظ كيفيّة تعلّق التكليف (العينيّ والكفائيّ): وينقسم فيه الواجب إلى «عينيٍّ»، يتوجّه فيه التكليف استقلالاً لكلّ فرد، و«كفائيٍّ» يسقط فيه التكليف عن الباقين بمجرّد امتثال أحدهم.

ويكمن الخلل المنهجيّ لدى بعض الباحثين في الخلط بين هذين التقسيمين، حينما يحاولون تفسير المكلَّف في الواجب الكفائيّ بـ «مجموع المكلّفين»، فيدمجون الواجب الكفائيّ بالواجب الاجتماعيّ. والحال أنّه من المعقول ثبوتاً أن يكون الواجب اجتماعيّاً وعينيّاً معاً، أو اجتماعيّاً بخصائص مستقلّة. كما يُتصوّر أن يكون الواجب فرديّاً وكفائيّاً في آنٍ واحد، من دون افتقارٍ إلى مكلَّفٍ جمعيّ. وعليه، لا تلازم بين الواجبين. فليس كلّ واجبٍ كفائيٍّ واجباً اجتماعيّاً، ولا العكس. ومسألة وقوع «المجموع من حيث المجموع» مكلّفاً هي قضيّةٌ ترتبط بـ «البُعد الاجتماعيّ» للتكليف، ولا تنسحب بالضرورة لتشكّل تفسيراً عامّاً لكافّة الواجبات الكفائيّة.

مقام الإثبات في الواجب الكفائيّ ونظريّة «مجموع المكلّفين من حيث المجموع»

وبعد اتّضاح الإمكان الثبوتيّ لتعلّق التكليف بـ «المجموع»، يطلّ التساؤل الإثباتيّ برأسه: هل يمكن القول ـ في خصوص الواجب الكفائيّ المصطلح ـ إنّ المكلَّف الحقيقيّ هو «مجموع المكلّفين»؟

تقرير كلام السيّد الخوئي ومناقشته

أدرج السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في «المحاضرات» نظريّة «مجموع المكلّفين» كاحتمالٍ ثانٍ في تفسير حقيقة الواجب الكفائيّ، ثمّ كرّ عليه بالنقض والإبطال، حيث قال:

الثاني: أن يقال: التكليف في الواجبات الكفائيّة متوجّهٌ إلى مجموع آحاد المكلّفين من حيث المجموع، بدعوى أنّه كما يمكن تعلّق تكليفٍ واحدٍ شخصيٍّ بالمركّب من الأمور الوجوديّة والعدميّة على نحو العموم المجموعيّ إذا كان الغرض المترتّب عليه واحداً شخصيّاً، كذلك يمكن تعلّقُه بمجموع الأشخاص على نحو العموم المجموعيّ.

ويُرَدُّ على ذلك أوّلاً: أنّ لازمَ هذا هو عدمُ حصولِ الغرض وعدمُ سقوطِ التكليف بفعلِ البعض، لفرضِ أنّ الفعلَ مطلوبٌ من مجموع المكلّف على نحو العموم المجموعيّ، والغرضُ مترتّبٌ على صدورِه من مجموعِهم على نحو الاشتراك. وعليه، فمن الطبيعيّ أنّه لا يسقطُ بفعل البعض ولا يحصلُ الغرضُ به، وهذا ضروريُّ الفساد، ولن يتوهّم أحدٌ ولا يُتوهَّم ذلك.

وثانياً: أنّ هذا لو تمّ، فإنّما يتمّ فيما إذا كان التكليف متوجّهاً إلى صرفِ وجودِ مجموعِ أفرادِ المكلّفِ الصادق على القليل والكثير، دون مجموع أفراده المتمكّنين من الإتيان به، ضرورةَ أنّ بعض الواجبات الكفائيّة غيرُ قابلٍ لأن يصدرَ من المجموع. فإذن كيف يمكن توجيه التكليف به إلى المجموع؟ وعلى كلٍّ فهذا الوجهُ واضحُ الفساد.[4]

ومحصّل ما أورده السيّد الخوئي من إشكالاتٍ يرتكز على نقطتين:

الأولى: أنّ جعل المكلَّف «مجموعاً» بنحو العموم المجموعيّ يستلزم عقلاً توقّف حصول الغرض وسقوط التكليف على صدور الفعل من جميع أفراد المجموع بنحو الاشتراك. وهذا يصادم الخصيصة المسلّمة للواجب الكفائيّ القاضية بكفاية فعل أحدهم.

الثانية: لو غضضنا الطرف عن الإشكال الأوّل، فإنّ هذا التصوير يصطدم بواقع بعض الواجبات الكفائيّة التي تأبى الصدور المشترك من «مجموع المكلّفين» المتمكّنين (كدفن ميّتٍ واحد، إذ لا يُعقل عرفاً مباشرة الجميع له). فكيف يُعقل توجيه التكليف بمثل هذا الفعل إلى «مجموع الأشخاص»؟ ولذا خلص (قدّس سرّه) إلى أنّ «هذا الوجه واضح الفساد».

تحليل المحقّق الفاضل اللنكراني لفرضيّة «المجموع»

وفي سياق تفكيك هذا الاحتمال، طرح المرحوم الوالد المعظّم (قدّس سرّه) في «أصول فقه الشيعة»[5] ثلاثة توجيهاتٍ متصوّرةٍ لعبارة «المجموع من حيث المجموع» في قبال «الجميع»، وناقشها تباعاً:

التوجيه الأوّل: إرجاع المجموع إلى الجميع

ومفاده أن يُقصد بـ «المجموع من حيث المجموع» معنى «الجميع»، بأن يكون كلّ فردٍ من المكلّفين مأموراً بإتيان الفعل استقلالاً. وهذا التوجيه يلغي الفارق الجوهريّ بين الواجب الكفائيّ والواجب العينيّ، مضافاً إلى استحالته العمليّة في بعض الموارد كدفن الميّت، حيث يمتنع مباشرة الجميع له.

التوجيه الثاني: المجموع كظرفٍ للفاعل (عدم الخروج عن الدائرة)

ومؤدّاه أن يكون التكليف محصوراً في دائرة هذا المجموع دون سواه، من غير اشتراط مشاركتهم جميعاً في الامتثال، بل يكفي إقدام البعض لإسقاط التكليف. وقد صرّح المحقّق الفاضل بأنّ هذا التوجيه يؤول حقيقةً إلى مبنى «صرف الوجود» الذي شاده الميرزا النائيني. فالغرض المولويّ منصبٌّ على صرف وجود الطبيعة، سواءٌ حقّقها فردٌ واحدٌ أو جماعة، بل حتّى لو أتى بها الجميع في آنٍ واحد، فإنّ الغرض يُستوفى بلحاظ تحقّق صرف وجود الطبيعة، لا بلحاظ الأفراد. وعليه، يغدو «المجموع» مجرّد ظرفٍ لانتزاع الفاعل، ويكون المكلّف الحقيقيّ هو الأفراد القابلين للامتثال، فيتّحد هذا القول مع مبنى المحقّق النائيني.

التوجيه الثالث: لزوم صدور الفعل الواحد من الكافّة

ومعناه أن يُطالب جميع المكلّفين بالاشتراك في إنجاز فعلٍ واحدٍ بحيث يُسند إليهم كافّة. وقد فنّد (قدّس سرّه) هذا التوجيه من وجهين: أوّلاً، استحالته الخارجيّة في جملةٍ من مصاديق الواجب الكفائيّ (كدفن الميّت)؛ ثانياً، مخالفته لإجماع القائلين بالواجب الكفائيّ، إذ لم يلتزم أحدٌ بلزوم المشاركة العامّة كشرطٍ للامتثال.

وانتهى (قدّس سرّه) إلى نتيجةٍ حاسمةٍ تقضي بأنّ فرضيّة كون المكلَّف هو «المجموع من حيث المجموع» في الواجب الكفائيّ، مهما أُعيدت صياغتها، فهي إمّا فاسدةٌ في نفسها وإمّا راجعةٌ إلى مسالك أخرى كـ (الاستغراق) أو (صرف الوجود).

خاتمة المطاف في مقام الإثبات

في ضوء ما استعرضناه، يمكننا بلورة النتيجة النهائيّة حول حقيقة الواجب الكفائيّ المصطلح بأنّه من الزاوية الثبوتيّة لا ريب في معقوليّة تعلّق التكليف بـ «المجموع من حيث المجموع» كمكلَّفٍ اعتباريّ في نطاق الواجبات الاجتماعيّة، بل هو واقعٌ في الشريعة كما تشهد به الآيات القرآنيّة الدالّة على مكلّفيّة «القوم» و«الأمّة». بيد أنّه في مقام الإثبات والتطبيق على حقيقة الواجب الكفائيّ، يستبطن هذا الاحتمال تكلّفاً في التأويل. فإن فُسّر «المجموع» بـ «جميع الأفراد»، لآل الأمر إلى استغراقٍ عينيٍّ يتصادم مع أبرز خصائص الواجب الكفائيّ (كفاية فعل أحدهم). وإن وُجّه بمعنى «تحقّق صرف وجود الفعل من قِبل هذا المجموع»، انحلّ حقيقةً واندرج في نظريّة «صرف الوجود» للمحقّق النائيني، فلا يكون مبنىً مستقلاً في قبالها.

وعليه، ورغم متانة القول بتعلّق التكليف بـ «مجموع المكلّفين» ثبوتاً وإثباتاً في دائرة الفقه الاجتماعيّ، إلا أنّه يعجز عن الصمود كتحليلٍ مستقلٍّ لماهيّة الواجب الكفائيّ بالمعنى الأصوليّ المتداول. فهو دائرٌ بين الرجوع إلى الاستغراق أو إلى صرف الوجود، ولا يحظى بموقعيّةٍ مستقلّةٍ إزاء الأقوال المعروفة.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

---------------------
[1]. الرعد: 11.
[2]. الأعراف: 34.
[3]. ‏بروجردی، حسین، «نهایة الأصول»، با حسینعلی منتظری، ج 1، ص 228.
[4]. ‏خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 53-54.
[5]. ‏فاضل موحدی لنکرانی، محمد، «اصول فقه شیعه»، با محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ج 5، ص 192-193.

-----------------
المصادر
- بروجردی، حسین، نهایة الأصول، حسینعلی منتظری، ۲ ج، قم، تفکر، 1415.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.
- فاضل موحدی لنکرانی، محمد، اصول فقه شیعه، محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ۱۰ ج، قم، مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1381.

الملصقات :

صرف الوجود الواجب العيني الواجب الكفائي المجموع من حيث المجموع الفقه الاجتماعيّ مجموع المكلّفين العموم الاستغراقيّ الواجب الاجتماعيّ الحكم التكليف الجمعيّ

نظری ثبت نشده است .