درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٤


شماره جلسه : ۶۴

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • التقييم النهائيّ لمسلك العموم الاستغراقيّ في الواجب الكفائيّ ومناقشة إشكالات السيّد الخوئيّ

  • وحدة الغرض ومدى اقتضائها لوحدة الخطاب

  • تقييم صياغة «التزاحم في مقام الجعل» ومناقشات السيّد الخوئيّ الثلاث

  • نقد الملازمة بين «تعدّد الغرض» و«التزاحم في مقام الجعل»

  • حصيلة البحث

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
 
مُحصّل البحث المتقدّم

استعرضنا في الجلسة السابقة النقد النهائيّ لاحتمال وقوع «المجموع من حيث المجموع» مكلَّفاً، لننتقل بعده إلى تمحيص الاحتمال الثالث المتمثّل في تعلّق التكليف على نحو العموم الاستغراقيّ في حقيقة الواجب الكفائيّ. وقد سلّمنا في بادئ الأمر بالمعقوليّة الثبوتيّة لتعلّق التكليف بـ «صرف وجود الفعل الصادر من مجموع المكلّفين»، بمعنى أن يُجعل المجتمع بما هو مكلَّفاً اعتباريّاً، ويقع صرف وجود الفعل من قِبل هذا المجموع موضوعاً للوجوب. بيد أنّ هذا التحليل يصطدم في مقام الإثبات بمعيار الفهم العرفيّ للخطاب، إذ يبدو في نظر العرف غريباً ومستثقلاً. فالعرف يترقّب دائماً تحديد «المخاطَب بالتكليف» بوضوح. وفي الواجبات الكفائيّة المتعارفة (كدفن الميّت والصلاة عليه)، يتنافى افتراض المكلَّف الحقيقيّ «مجموعاً من حيث المجموع» والمتعلّق «صرف الوجود من المجموع» مع المرتكزات العرفيّة وظواهر الأدلّة. 
وتأسيساً على ذلك، يتمّ إقصاء هذا الاحتمال عن ساحة تحليل الواجب الكفائيّ المصطلح، وإن صحّ اعتماده في الواجبات الاجتماعيّة المحضة. وبهذا الإقصاء لا يبقى في الميدان سوى الاحتمال الثالث القائل بتعلّق التكليف بكلّ فردٍ على نحو العموم الاستغراقيّ. وقد صرّح المحقّق الأصفهاني بعد إبطاله لسائر الوجوه بأنّ الحكم يُجعل على العنوان الكلّيّ لـ «المكلَّف» ويسري لينطبق على الآحاد فرداً فرداً. وعليه، يغدو تصوّر تعدّد الوجوب والامتثال والعصيان والثواب والعقاب أمراً سائغاً ومفهوماً على غرار الواجب العينيّ. 
وإنّما تكمن المعضلة في تخريج «سقوط وجوب الآخرين بفعل أحدهم». وقد عالج الأصفهاني هذه الإشكاليّة من نافذة «وحدة الغرض»، مقرّراً أنّ الغرض في الواجب الكفائيّ واحدٌ (كمواراة الميّت أو الوجود الواحد اللزوميّ للصلاة عليه)، وأنّ نسبة هذا الغرض متساويةٌ إلى كافّة المكلّفين. ولمّا كان تخصيص فردٍ متعيّنٍ أو مردّدٍ أو المجموع بما هو مجموع أمراً غير معقول، تعيّن جعل الوجوب على الجميع. ولكن بما أنّ الغرض يُستوفى بفعل أحدهم، فإنّه بمجرّد تحقّقه ينتفي المسوّغ لبقاء التكليف في حقّ الباقين. وبهذا المسلك تتجلّى الخصائص الثلاث المشهورة للواجب الكفائيّ (امتثال الجميع عند فعل الجمیع، وعصيان الجميع عند ترك الکلّ، وكفاية فعل أحدهم) ضمن إطار العموم الاستغراقيّ ووحدة الغرض. وهذا على الرغم من سقوط التقريبات الأخرى في مقام الإثبات، كفرضيّة «الوجوب الاستغراقيّ المشروط بترك الآخرين» التي تصدّى السيّد الخوئي لتفنيدها ونقدها بشدّة.

التقييم النهائيّ لمسلك العموم الاستغراقيّ في الواجب الكفائيّ ومناقشة إشكالات السيّد الخوئيّ

غداة إقصاء فرضيّة توجّه التكليف إلى «الواحد المعيّن عند الله»، وكذا فرضيّة تعلّقه بـ «المجموع من حيث المجموع» في مسار تحليل حقيقة الواجب الكفائيّ، لا يبقى في البين سوى الاحتمال القويّ الذي تبنّاه المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه)، المتمثّل في تعلّق التكليف بـ «كلّ واحدٍ واحدٍ من المكلّفين» على نحو العموم الاستغراقيّ. وتفريغاً لهذا المسلك لو افترضنا خطاب «يجب دفن الميّت»، لكان مفاده انحلال التكليف وثبوت وجوب الدفن في ذمّة كلّ مكلّفٍ بصورةٍ مستقلّة، ليغدو كلّ فردٍ مكلّفاً في عرض الآخرين. وفي ضوء هذا التحليل لو بادر كافّة المكلّفين إلى امتثال الواجب لعُدّوا جميعاً ممتثلين، ولو أطبقوا على الترك لكانوا بأجمعهم عصاة، ممّا يوفّر تخريجاً صناعيّاً متيناً لهاتين الخصيصتين المشهورتين من خصائص الواجب الكفائيّ.

وتكمن العقدة المستعصية في الخصيصة الثالثة المتمثّلة في وجه سقوط التكليف عن الباقين بمجرّد تصدّي أحدهم للامتثال. وقد عالج المحقّق الأصفهانيّ هذه العويصة بالارتكاز على محور وحدة الغرض واستيفاء الملاك، بيانه أنّ غرض المولى في الواجب الكفائيّ غرضٌ واحدٌ يكتفي بوجود مصداقٍ واحدٍ لتحقّقه، فبفعل أحدهم يُستوفى الغرض وينتفي موضوع بقاء التكليف في حقّ الآخرين. والنتيجة أنّه وإن كان الوجوب ثابتاً في حقّ كلّ فردٍ في مقام الجعل، بيد أنّه في مقام البقاء وإثر استيفاء الغرض لا يبقى مجالٌ لاستمرار تلك الوجوبات.[1]

وقد انبرى السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) لمناقشة هذا المسلك عبر طرح تقريبين أساسيّين:

1. ادّعى من زاوية الغرض الواحد القائم بصرف الوجود أنّ تعدّد الخطابات الاستغراقيّة لغوٌ وخالٍ من الداعي.

2. حاول في فرض تصحيح «الوجوب الاستغراقيّ المشروط بترك الآخرين» إرجاعه إلى هيكليّةٍ تبتني على «التزاحم في مقام الجعل»، ليقوم هو نفسه بإبطال هذه الصورة لاحقاً.[2]

وسنشرع في ما يلي بتقييم كلا التقريبين المزبورين.

وحدة الغرض ومدى اقتضائها لوحدة الخطاب

أفاد السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) في سياق افتراض وحدة الغرض بأنّه متى كان غرض المولى في الواجب الكفائيّ واحداً وقائماً بصرف وجود الفعل في الخارج، فإنّ مقتضى الحكمة انصباب الخطاب بنحو الوحدة أيضاً؛ إذ لو وُجّه التكليف على نحو الاستغراق لجميع المكلّفين، والحال أنّ استيفاء الغرض يتحقّق بفعل أحدهم، لكان توجيه الخطاب إلى سائر الأفراد أمراً خالياً من الداعي وصادراً على خلاف الحكمة. ومآل هذا البيان أنّ «الغرض الواحد القائم بصرف الوجود» يقتضي ـ في منظوره ـ «وحدة الخطاب»، ليغدو تعدّد الخطابات الاستغراقيّة في أمثال هذا الفرض لغواً وعارياً عن الملاك.

بيد أنّ هذا التحليل لا يقع موقع القبول على إطلاقه. والنكتة الجوهريّة الكامنة هنا تتلخّص في أنّ تقييم وجود الداعي لجعل الخطاب من عدمه إنّما يُلحظ في ظرف ما قبل الامتثال ـ أي في مقام الجعل ـ لا في ظرف ما بعد تحقّق الغرض واستيفائه. ففي مفروض البحث نكون إزاء طبيعةٍ واحدةٍ للواجب كـ «دفن الميّت»، وغرض المولى المتعلّق بهذه الطبيعة غرضٌ واحدٌ يكتفي في تحقّقه بوجود مصداقٍ واحد. والحال أنّ كلّ فردٍ من المكلّفين في مرحلة ما قبل الامتثال صالحٌ بطبعه لتأمين هذا الغرض، وفي مثل هذا الفرض لو وجّه الشارع تكليفه على نحو الاستغراق لكافّة المكلّفين بأن يخاطب كلّ فردٍ بقوله: «يجب عليك دفن الميّت»، لكان هذا الجعل واجداً لتمام المقتضي والداعي في حقّ كلّ مخاطبٍ في ظرف ما قبل العمل؛ إذ يثبت الإمكان الواقعيّ لتحصيل الغرض في حقّ كلّ فردٍ منهم على حدة.

ومن منظور الشارع لا يتعيّن قبل تحقّق الامتثال أيّ فردٍ سيتكفّل واقعاً بإنجاز الواجب. ومن هنا يغدو الطريق الأوفق بالحكمة توجيه الخطاب استغراقاً للجميع، بغية استيثاق استيفاء الغرض من كافّة الجوانب. وأمّا مسألة تصدّي فردٍ واحدٍ أو فئةٍ محدودةٍ في الخارج لاحقاً لتحقيق هذا الغرض، فهي حيثيّةٌ متأخّرةٌ عن الجعل ولا تسلب الجعل الابتدائيّ في حقّ الآخرين داعويّته. وبعبارةٍ أخرى يُعدّ «خلوّ الخطاب عن الداعي» وصفاً يلحق الجعل في مقام الإنشاء، لا في حالته الطارئة بعد السقوط إثر تحقّق الغرض. فما دام كلّ خطابٍ استغراقيٍّ في لحظة الجعل قادراً على توفير فرصة تحصيل الغرض لمخاطَبه، فلا يقع جعله لغواً، وإن لم يبقَ لاحقاً ـ جرّاء استيفاء الغرض من قِبَل الآخر ـ مجالٌ لامتثاله.

وعليه فلا تُنتزع ضرورة وحدة الخطاب من وحدة الغرض، إذ يسوغ للشارع الحكيم ـ في سبيل ضمان تحصيل غرضه الواحد بصورةٍ أوثق ـ توجيه خطاباتٍ استغراقيّةٍ متعدّدةٍ لعدّة مكلّفين، على غرار ما إذا أمّر المولى عدّة أشخاصٍ متزامنين لتحصيل مصلحةٍ عامّةٍ في النظام، مع علمه بأنّ نهوض أحدهم بأداء الوظيفة تامّةً يكفي لاستيفاء ذلك الغرض عينه. وتأسيساً على هذا التحليل لا يستقيم إشكال السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) القائل بأنّ «الغرض الواحد القائم بصرف الوجود يستلزم خطاباً واحداً وإلّا كانت الخطابات بلا داعٍ» على إطلاقه، بل تتآلف «وحدة الغرض» في مفروضنا مع «تعدّد الخطابات الاستغراقيّة» بانسجامٍ تامّ، دون أن يتّسم أيٌّ من تلك الخطابات الاستغراقيّة بفقدان الداعي في ظرف ما قبل العمل. وما سقوطها بعد تحقّق الغرض إلّا من تبعات انتفاء الملاك، لا لكونها مجعولةً بلا ملاكٍ أو داعٍ منذ البدء.

والمتحصّل ممّا سلف أنّ جوهر مبنى المحقّق الأصفهانيّ ـ المتمثّل في تبنّي العموم الاستغراقيّ للوجوب الكفائيّ وتوجيه سقوط الوجوبات عن الباقين باستيفاء الغرض ـ يبقى بمنأى عن هذه الخدشة، ولا تنهض مناقشة السيّد الخوئيّ في هذه النقطة لتقويض أركانه.

تقييم صياغة «التزاحم في مقام الجعل» ومناقشات السيّد الخوئيّ الثلاث

ينصبّ الشطر الثاني من نقد السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) على التقريب الذي يُلتجأ فيه إلى افتراض تزاحم الملاكات في مقام الجعل لتصحيح هيكليّة «الوجوب الاستغراقيّ المشروط بترك الآخرين». ومفاد هذا التقريب أن يُفترض لكلّ فعلٍ من أفعال المكلّفين غرضٌ مستقلّ، مع تعذّر أو عدم مطلوبيّة الجمع بين هذه الأغراض في الخارج، ليصطدم الشارع بالتزاحم في مقام الجعل، ويُضطرّ إلى صياغة وجوب كلٍّ منها مشروطاً بترك الآخر، بما يمثّل نحواً من الترتّب في مرحلة التشريع لا في مرحلة فعليّة الحكم. وقد تصدّى السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) ـ إثر إقراره بالإمكان الثبوتيّ لهذه الصورة ـ لإبطالها في خصوص الواجب الكفائيّ، مورداً عليها ثلاثة إشكالاتٍ أساسيّة:

في المقام الأوّل يؤكّد (قدّس سرّه) أنّ مسرح بحثنا في الواجب الكفائيّ يختصّ بموارد وحدة الغرض. إذ لا ينعقد الواجب الكفائيّ في الجملة إلّا حيثما نكون إزاء واجبٍ واحدٍ ومطلوبٍ واحدٍ وغرضٍ فارد. وبمقتضى التتبّع في الموارد المشهورة للواجبات الكفائيّة، من قبيل دفن الميّت والصلاة عليه وتغسيله وتكفينه وما شاكل ذلك، يتعذّر استظهار تعدّد الغرض بتعدّد الفاعل من ظواهر الأدلّة. ففرضيّة «تعدّد الأغراض بتعدّد أفعال المكلّفين» في أمثال هذه الموارد تقع أجنبيّةً عن مفروض النزاع في الواجب الكفائيّ. ومن هذه الزاوية يغدو أساس هذا المبنى المبتني على افتراض غرضٍ مستقلٍّ ومتزاحمٍ لكلّ فاعلٍ متبايناً مع جوهر الواجب الكفائيّ المتعارف.

وفي المقام الثاني يُقرّر المحقّق الخوئيّ (قدّس سرّه) أنّ افتراض التضادّ في الملاكات مع انتفائه في الأفعال يقرب من دائرة الموهومات؛ إذ إنّ الأفعال ليست سوى مظاهر خارجيّةٍ لتلك الملاكات، فلو تحقّق تضادٌّ حقيقيٌّ بين ملاكين، لكان من المتوقّع أن ينعكس ذلك بنحوٍ من تعذّر الجمع في مرحلة الأفعال أيضاً. ولعلّ هذا البيان يكتسي طابعاً أدبيّاً وتأكيديّاً في المقام. ذلك أنّه في الفرض الذي يُلحظ فيه لكلّ فعلٍ غرضٌ مستقلٌّ وغير قابلٍ للجمع، غالباً ما تقع الأفعال ذاتها ـ لجهة التزاحم الزمانيّ والمكانيّ ونحوهما ـ غير قابلةٍ للجمع في مقام الامتثال أيضاً. ومهما يكن من أمر فإنّ النكتة الجوهريّة في كلامه (قدّس سرّه) تتمثّل في غياب تفكيكٍ دقيقٍ ومعتدٍّ به بين تضادّ الملاكات وعدم تضادّ الأفعال في ما نحن فيه.

أمّا في المقام الثالث ـ وهو الركن الركين في هذه المناقشة ـ فيُفيد (قدّس سرّه) بأنّ تعدّد الغرض إنّما يُعقل في ما لو تعدّدت الواجبات نفسها، نظير أعدال الواجب التخييريّ. غير أنّنا في الواجب الكفائيّ كـ «دفن الميّت» نواجه واجباً واحداً لا واجباتٍ متعدّدةً في عرض بعضها البعض. وفي مثل هذا الفرض لا يصحّ القول بأنّه لو تصدّى زيدٌ للدفن لحصل غرضٌ ما، ولو بادر عمروٌ لحصل غرضٌ آخر، ولو نهض بكرٌ لحصل غرضٌ ثالث. إذ إنّ الطبيعة الواحدة تستبطن ملاكاً واحداً يُستوفى بامتثال أيّ فردٍ كان، ولا يُعقل أن تتكثّر أغراض الواجب الواحد تكثّراً نوعيّاً وعرضيّاً تبعاً لتعدّد الفاعلين. وبناءً عليه فإنّ تحليل الوجوب الاستغراقيّ المشروط على أساس تعدّد الغرض يقع ساقطاً عن الاعتبار من الأساس في مسألة الواجب الكفائيّ.

نقد الملازمة بين «تعدّد الغرض» و«التزاحم في مقام الجعل»

وفي هامش هذه الإشكالات ينبغي التأكيد على نكتةٍ محوريّة، حاصلها أنّه حتّى لو سلّمنا بإمكانيّة افتراض تعدّد الغرض في بعض الفروض، فلا ملازمة بين ذلك وبين المصير إلى فرضيّة «التزاحم في مقام الجعل» ونسج شبكةٍ من الوجوبات المشروطة. والشاهد الجليّ على ذلك باب الواجب التخييريّ، حيث طُرح فيه احتمال تعدّد الغرض في أبدال الواجب، ومع ذلك لم يذهب أحدٌ إلى وقوع التزاحم في مقام الجعل واضطرار الشارع إلى جعل وجوب كلّ عدلٍ مشروطاً بترك العدل الآخر. بل صياغته جليّةٌ تتلخّص في أنّه «لو امتثلت هذا العدل لحصل غرضه الخاصّ، ولو اعتمدت العدل الآخر لاستُوفي غرضٌ آخر». ففي مقام الامتثال وبمجرّد اختيار أحد الأعدال وتحقّق غرضه، لا تصل النوبة إلى استيفاء العدل الآخر، من دون أيّ حاجةٍ إلى افتراض الاشتراط في مقام الجعل.

ويمكن سحب هذا المنطق بعينه على فرضيّة تعدّد المكلّفين. فلو أمكن في فرضٍ ما تصوّر غرضٍ خاصٍّ لفعل كلّ فرد، لصحّ القول بأنّ فعل أحدهم يضمن تأمين شطرٍ من الأغراض، وبافتراض عدم لزوم استيفاء سائر الأغراض ينتفي موضوع التكليف بالنسبة للأفعال الأخرى. وهذا الانتفاء للموضوع إنّما يتحقّق في مقام الامتثال، لا أن تكون التكاليف مجعولةً منذ البداية بنحوٍ مشروطٍ بترك الآخر. ويتبلور من هذا المسار الاستدلاليّ عدّة نتائج:

أوّلها أنّ افتراض تعدّد الغرض في الواجبات الكفائيّة المتعارفة أجنبيٌّ عن محلّ البحث من الأساس.

وثانيها أنّه حتّى على تقدير التسليم بتعدّد الأغراض، فلا ضرورة تُلجئ إلى الالتزام بـ «التزاحم في مقام الجعل» وفرضيّة «الوجوبات الاستغراقيّة المشروطة بترك الآخر».

وثالثها أنّه في فرض وحدة الغرض أيضاً ـ كما أسلفنا ـ لا يقع تعدّد الخطاب الاستغراقيّ لغواً؛ لثبوت داعويّته التامّة في ظرف الجعل، وما سقوطه بعد استيفاء الغرض إلّا شأنٌ طبيعيٌّ يعرض لكلّ وجوب.

حصيلة البحث

وتتجلّى حصيلة ما سطرناه في أنّ مبنى المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) القائل بتعلّق التكليف بـ «الجميع» على نحو العموم الاستغراقيّ، يمثّل تنظيراً منسجماً ومقبولاً سواءً من الزاوية الثبوتيّة أو بلحاظ الحكمة في مقام الجعل. ولا يستقيم إشكال السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) المبتني على أنّ «الغرض الواحد القائم بصرف الوجود يقتضي وحدة الخطاب» على إطلاقه؛ إذ قد يكون تكثّر الخطاب الاستغراقيّ في ظرف الجعل بغية استيثاق تحصيل ذلك الغرض الواحد أمراً في غاية الحكمة وواجداً لتمام المقتضي. أمّا صياغة «الوجوب الاستغراقيّ المشروط بترك الآخرين»، فلو فُسّرت على أساس التزاحم في مقام الجعل، لكانت أجنبيّةً عن محلّ البحث في الواجب الكفائيّ المتعارف ذي الغرض الواحد، فضلاً عن افتقارها لأيّ شاهدٍ إثباتيٍّ على وقوع مثل هذا التشريع، واستلزامها لمحاذير اعترف السيّد الخوئيّ نفسه باستحالة الالتزام بها.

وتأسيساً على ذلك لو أُريد تقديم صياغةٍ أصوليّةٍ لحقيقة الواجب الكفائيّ ترتكز على العموم الاستغراقيّ، لكان المسار الذي خطّه المحقّق الأصفهانيّ ـ المتمثّل في تعدّد الوجوبات في مقام الجعل وسقوطها إثر استيفاء الغرض الواحد ـ أمتن بنياناً، ولا أقلّ من صموده أمام المناقشات الثبوتيّة للسيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) بالبيان المتقدّم. نعم، تبقى المقارنة النهائيّة لهذا المبنى مع سائر التحليلات ـ ومنها المسلك المختار الذي سيُعقد له البحث لاحقاً حول «صرف الوجود» ودور العقل في تحديد فاعل الواجب الكفائيّ ـ موقوفةً على استكمال فصول البحث. غير أنّه في هذه المرحلة يسعنا القول إنّ احتمال العموم الاستغراقيّ ـ غداة انهيار الاحتمالين السالفين ـ لا يزال يمتلك من الرصانة والانسجام ما يؤهّله لتبوّء مكانةٍ مرموقةٍ في تفسير حقيقة الواجب الكفائيّ.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

---------------------
[1]. ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 279-280.
[2]. ‏خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 54-55.

-----------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.



الملصقات :

صرف الوجود الوجوب المشروط وحدة الغرض الواجب العيني الواجب الكفائي انحلال الحكم العموم الاستغراقيّ التزاحم في مقام الجعل التزاحم في مقام الامتثال لغويّة الخطاب

نظری ثبت نشده است .