درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٢٠


شماره جلسه : ۷۳

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • نظريّة المحقّق النائيني ومبنى صاحب «المنتقى» في فرع المتيمّمين

  • إشكال صاحب «المنتقى» على تصوير وجوب الحيازة عند النائيني

  • تحليل وجوب الوضوء وآليّة الاشتراط عند صاحب «المنتقى»

  • مناقشات صاحب «منتقى الأصول» على مبنى السيّد الخوئي

  • مناقشة التلازم بين بطلان التيمّم ووجوب الوضوء

  • نقد دعوى الكشف عن عدم القدرة

  • حصيلة البحث والتحقيق المختار

  • تأييد نقد صاحب «المنتقى» على السيّد الخوئي في مسألة الكشف

  • مناقشة مبنى النائيني والروحاني: محوريّة «القدرة الفعليّة العرفيّة»

  • علاقة البحث بباب التزاحم وتعدّد الخطابات

  • الرأي المختار في فرع المتيمّمين

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

تمّت في البحث السابـق إعادة قراءة مبنى المحقّق النائيني في مسألة «اشتراط التكليف» و«التزاحم بين المكلّفين» ـ لا سيّما في تطبيقها على فرع المتيمّمين والماء الواحد ـ مع بحث العلاقة بينه وبين نقد السيّد الخوئي. وقد أصّل النائيني في الواجب الكفائيّ قاعدةً مفادها أنّ وحدة الغرض تستلزم وحدة الخطاب، وأنّ تكثير الوجوبات المشروطة (بجعل الوجوب على كلّ مكلّفٍ مشروطاً بترك الآخرين) أمرٌ لا مبرّر له، إلا في فرض تعدّد الأغراض والملاكات، حيث يمكن حينئذٍ تصوير التكليف في حقّ كلٍّ منهما مشروطاً بعدم تحقّق غرض الآخر، والقول بوقوع التزاحم. بيد أنّنا ذهبنا إلى أنّ دعوى التعدّد الواقعيّ للغرض في أغلب مصاديق الواجب الكفائيّ (كدفن الميّت والصلاة عليه) مخالفةٌ للوجدان العرفيّ، ولا مدخليّة لها في حسم الموقف في الفرع المبحوث عنه. وفي خصوص فرع المتيمّمين، فكّك النائيني بين أركانٍ ثلاثة: الأمر بالوضوء، والأمر بحيازة الماء، والقدرة على الحيازة. فجعل وجوب الوضوء منوطاً بـ «الحيازة الخارجيّة»، بينما حلّل وجوب الحيازة في حقّ كلّ واحدٍ منهما على أنّه مشروطٌ بعدم سبق الآخر، واعتبر القدرة على الحيازة «فعليّةً» بالنسبة إلى كليهما. وفيما يتعلّق بموضوع التيمّم، فقد رأى الميرزا النائيني أنّ المناط في صحّته هو «عدم التمكّن من الماء»، وأنّ بطلانه مترتّبٌ على «مجرّد التمكّن الواقعيّ من الماء في ظرف القدرة على الحيازة»، لا على فعليّة وجوب الوضوء. وعليه، ففي فرض وجدان الماء، لمّا كان كلّ واحدٍ من الشخصين «في حدّ نفسه» قادراً على الحيازة، خرج كلاهما عن عنوان «فاقد الماء» وانتقض تيمّمهما، وإن لم يبلغ وجوب الوضوء مرتبة الفعليّة إلا في حقّ من يحوز الماء عمليّاً. وفي المقابل، رفض السيّد الخوئي هذا التفكيك، مشدّداً على «التلازم» بين وجوب الوضوء وبطلان التيمّم، ومفصّلاً في المسألة بين حالات التسابق وعدمه؛ فحكم ببقاء تيمّمهما معاً في فرض التمانع، وببطلان تيمّم الغالب خاصّةً في فرض الغلبة. والتحقيق المختار أنّه لو سلّمنا بتفكيك النائيني بين معنى «وجدان الماء» في باب التيمّم (التمكّن الواقعيّ) ومعناه في باب الوضوء (الحيازة الفعليّة)، فإنّ إشكال الخوئي القائم على دعوى التلازم والحكم بصحّة التيمّم في فرض التمانع، لا ينقض مبنا النائيني من الأساس. نعم، يمكن تسجيل الملاحظة على النائيني وفقاً لمبانٍ أخرى، وتحديداً من خلال حمل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ على معنىً عرفيٍّ واحدٍ للوجدان الفعليّ في كلا البابين.
نظريّة المحقّق النائيني ومبنى صاحب «المنتقى» في فرع المتيمّمين

الإطار العامّ لمبنى النائيني في الواجب الكفائيّ

المستفاد ممّا سُطّر في «أجود التقريرات» أنّ المحقّق النائيني (قدّس سرّه) يطرح لتصوير الواجب الكفائيّ صورتين ثبوتيّتين:

1. في فرض وحدة الغرض: يتعلّق الوجوب الكفائيّ بـ «صرف طبيعة المكلَّف»؛ إذ يرى (قدّس سرّه) أنّ المكلَّف به هو «صرف وجود المكلَّف» لا غير، ولا وجه لتكثير الخطابات المشروطة في هذا الفرض.

2. في فرض تعدّد الملاك والغرض: يذهب إلى جعل خطاباتٍ مستقلّةٍ متعدّدةٍ بعدد المكلّفين، إلا أنّ كلّ خطابٍ مشروطٌ بـ «عدم سبق الآخر» إلى الامتثال.

وعليه، يرجع الواجب الكفائيّ ثبوتاً في هذه الصورة إلى واجباتٍ عينيّةٍ مشروطة، وإن كانت الآثار العمليّة المتعارفة (كعصيان الجميع عند الترك، وكفاية امتثال أحدهم) محفوظةً.[1]

وهذا المبنى عينه طبّقه الميرزا النائيني في تحليل بعض الفروع الفقهيّة ـ ومنها فرع «المتيمّمين والماء الواحد» ـ عبر تصوير وجوب الحيازة وجعله مشروطاً بعدم سبق الآخر، وهو ما تعرّض له السيّد الروحاني (قدّس سرّه) في «منتقى الأصول» بالنقد والتحقيق.

إشكال صاحب «المنتقى» على تصوير وجوب الحيازة عند النائيني

تصدّى السيّد الروحاني في «منتقى الأصول»[2] لنقد التطبيق الذي اعتمده الميرزا النائيني، مبتدئاً بمناقشة أصل فرضيّة «الوجوب النفسيّ للحيازة». فحيازة الماء ـ بنظره ـ ليست جزءاً من ماهيّة الوضوء ولا شرطاً لها، بل هي مجرّد مقدّمةٍ وجوديّةٍ لتحقّقه الخارجيّ. وعليه، فإن ثبت لها وجوبٌ، فهو وجوبٌ غيريٌّ مقدّميّ لا نفسي. ومن هنا، لا وجه لافتراض جعلٍ نفسيٍ مستقلٍّ بعنوان «وجوب الحيازة» ومن ثَمّ تقييده بعدم سبق الآخر. وفي مقام «تحقيق الحال» في المسألة، أفاد (قدّس سرّه) ما نصّه:

وتحقيق الحال أن يقال: إنّ الأمر بالتيمّم لمّا كان موضوعه عدم وجدان الماء، فبمجرّد القدرة على استعمال الماء يرتفع موضوعه فينتقض التيمّم. والقدرة على استعمال الماء بالنسبة إلى كلٍّ منهم موجودة؛ إذ يتمكّن كلٌّ منهم من السبق إليه واستعماله، فيرتفع تيمّم كلٍّ منهم.

ويستفاد من هذه العبارة نكتتان مبنائيّتان:

١. معيار انتقاض التيمّم: إنّ موضوع مشروعيّة التيمّم هو «عدم وجدان الماء». ومتى تحقّقت «القدرة على استعمال الماء»، ارتفع موضوع عدم الوجدان، وانتقض التيمّم قهراً.

٢. التطبيق على الفرع: في المورد المفروض، يملك كلّ واحدٍ من المتيمّمين قدرةً (عقليّةً وبدنيّةً) على مسابقة الآخر وحيازة الماء واستعماله. وهذا المقدار من «التمكّن من السبق والاستعمال» كافٍ لإخراجهما معاً عن عنوان «فاقد الماء». ولذا، حكم بارتفاع تيمّمهما.

وهكذا ينتهي السيّد الروحاني إلى النتيجة عينها التي اختارها المیرزا النائيني (بطلان التيمّمين معاً)، ولكن بارتكازٍ تحليليٍّ مختلف، حيث أدار رحى البحث على محور «موضوع التيمّم» وتحقّق القدرة، بمعزلٍ عن بحث فعليّة وجوب الوضوء في هذه المرحلة.

تحليل وجوب الوضوء وآليّة الاشتراط عند صاحب «المنتقى»

ثمّ ينتقل السيّد الروحاني إلى الخطوة التالية في تحليله، مسلّطاً الضوء على حقيقة وجوب الوضوء نفسه. فمع تسليمه بأنّ موضوع هذا الوجوب هو أيضاً «وجدان الماء»، إلا أنّه ينبّه على أنّ جوهر هذا التكليف يرجع إلى إلزام المكلّف بصرف الماء وإعمال قدرته في استعماله. حيث يقول:

أمّا الأمر بالوضوء، فموضوعه وإن كان وجدان الماء، إلا أنّه حيث كان مرجعه إلى إلزام كلٍّ منهم بصرف الماء وإعمال قدرته في استعمال الماء، والمفروض أنّ الجميع لا يتمكّنون من صرف قدرتهم دفعةً واحدةً وفي عرضٍ واحدٍ في ذلك، كان أمر الكلّ في عرضٍ واحدٍ محالاً لوقوع التزاحم في مقام الامتثال. فلا محالة من توجّه التكليف بالوضوء إلى كلٍّ منهم عند ترك الآخرين استعمال الماء. فلا منافاة بين بطلان تيمّم الجميع في عرضٍ واحد وتعلّق الأمر بكلٍّ منهم مشروطاً بترك الآخر، وإن كان موضوعهما واحداً وهو وجدان الماء.

ويمكن تلخيص النقاط المفصليّة في هذا البيان فيما يلي:

١. وحدة الموضوع: يشترك بابا التيمّم والوضوء في الموضوع، وهو عنوان «وجدان الماء».

٢. خصوصيّة المتعلَّق في الوضوء: يتقوّم الأمر بالوضوء بإلزام المكلّف بصرف الماء خارجاً وإعمال القدرة في استعماله. ولمّا كان الماء قاصراً عن الكفاية، استحال «صرف قدرتهم دفعةً واحدةً وفي عرضٍ واحدٍ في ذلك».

٣. استحالة الأمر المطلق للجميع: إنّ توجيه الخطاب بالوضوء للجميع في عرضٍ واحدٍ على نحو الإطلاق، يؤدّي حتماً إلى «التزاحم في مقام الامتثال»، فيكون ممتنعاً.

٤. الحلّ المطروح؛ جعل الوجوب المشروط: ولتجاوز هذا المحذور، لا مناص من جعل التكليف بالوضوء في حقّ كلّ مكلّفٍ على نحو الاشتراط. فالنتيجة التي ينتهي إليها السيّد الروحاني هي إمكانيّة الجمع بين الأمرين: فمن جهةٍ، يحكم بـ «بطلان تيمّم الجميع في عرضٍ واحد»، ومن جهةٍ أخرى، يُقرّر «تعلّق الأمر بكلٍّ منهم مشروطاً بترك الآخر»، على الرغم من وحدة الموضوع (وجدان الماء) في البابين.

ووفقاً لهذا المبنى، يُعاد إنتاج الآثار العمليّة المشهورة للواجب الكفائيّ ضمن هذا الفرع بوضوح: ١- بمجرّد تحقّق التمكّن من الماء، يبطل تيمّم كليهما. ٢- لو تواطآ على ترك الوضوء، استحقّا العقاب معاً، لفعليّة الموضوع في حقّهما. ٣- لو سبق أحدهما وتوضّأ، صحّ وضوؤه وامتثاله؛ وأمّا الآخر ـ الذي لم يبقَ له ماءٌ ـ فيعود إلى حكم «فاقد الماء»، فيلزمه استئناف التيمّم أو الانتظار لتحصيل ماءٍ آخر.

نقد إقحام «الأمر بالحيازة» في تحليل المسألة

ثمّ يوجّه السيّد الروحاني (قدّس سرّه) في «المنتقى» نقده الصريح لإقحام المحقّق النائيني لـ «الأمر بالحيازة» في صلب الاستدلال، قائلاً:

وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني من حديث الأمر بالحيازة، فلا نعلم ارتباطه بما نحن فيه؛ فإنّ الحيازة ليست شرطاً من شروط الوضوء، بل هي مقدّمةٌ من مقدّماته الوجوديّة، فتكون واجبةً بالوجوب الغيريّ لتحصيل الوضوء.

وبذلك، فإنّه لا يرى وجهاً لتأسيس وجوبٍ نفسيٍ مستقلٍّ بعنوان «وجوب الحيازة»، ولا لاعتباره ركناً في التحليل. ويختم نقدَه ببيان الموقف:

فنحن في المدّعى نتّفق مع المحقّق النائيني، لكن نختلف عنه في طريقة الإثبات.

فالنتيجة النهائيّة، وهي بطلان تيمّم كليهما ومآل المسألة إلى الصبغة الكفائيّة، مقبولةٌ لدى السيّد الروحاني. ولكنّه يستحصلها عبر طريقٍ تحليليٍ مغاير، يرتكز مباشرةً على موضوع الأمر بالتيمّم (القدرة على الاستعمال) وموضوع الأمر بالوضوء، ويعالج التزاحم في مقام امتثال الوضوء نفسه عبر الاشتراط بترك الغير، مستبعداً «الأمر بالحيازة» عن دائرة الاستدلال بوصفه محض مقدّمةٍ غيريّةٍ تبعيّة.

وهكذا يلتقي السيّد الروحاني مع الميرزا النائيني في النتيجة الفقهيّة، لكنّه يفارقه في المنهج الاستدلاليّ، مُنيطاً الحلّ بتحليل القدرة على الاستعمال واشتراط الوجوب بترك الغير، ومُقصياً لفكرة الوجوب النفسيّ للحيازة.

مناقشات صاحب «منتقى الأصول» على مبنى السيّد الخوئي

بعد استعراض مبنى المحقّق النائيني وما أورده عليه السيّد الخوئي من نقدٍ في فرع المتيمّمين، تصدّى السيّد الروحاني (قدّس سرّه) في «منتقى الأصول» لتسجيل ملاحظتين أساسيّتين على كلام السيّد الخوئي.[3] وهذان الإشكالان يردان على منهجيّة استدلال السيّد الخوئي بآية التيمّم من جهة، وتحليله لفرض سبق أحدهما لحيازة الماء من جهةٍ أخرى.

مناقشة التلازم بين بطلان التيمّم ووجوب الوضوء

أسّس السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في هذا الفرع قاعدةَ التلازم بين بطلان التيمّم ووجوب الوضوء، متمسّكاً بظهور آية التيمّم، ومقرّراً أنّ تحقّق عنوان «وجدان الماء» يقتضي ـ من حيث الموضوعيّة ـ فعليّة الوجوب وانتقاض التيمّم معاً. بيد أنّ صاحب «المنتقى» رفض إطلاق هذه الكبرى، قائلاً:

وأمّا ما ذكره السيّد الخوئي من الملازمة بين بطلان التيمّم والأمر بالوضوء لوحدة موضوعهما، فلا وجه له؛ إذ قد عرفت أنّ هذا مسلّمٌ، إلا أنّ في الوضوء خصوصيّةً تقضي بعدم الأمر به إلا بنحو الاشتراط.

ويمكن تفكيك ملاحظاته على السيّد الخوئي ضمن نكتتين:

١. التسليم بوحدة الموضوع: إنّ كون موضوع مشروعيّة التيمّم هو «عدم الوجدان»، وأنّ تحقّق «وجدان الماء» يرفع موضوع التيمّم ويحقّق موضوع وجوب الوضوء في الجملة، أمرٌ لا نزاع فيه.

٢. إنكار الملازمة المطلقة: رغم التسليم بوحدة الموضوع، إلا أنّ السيّد الروحاني ينكر لزوم فعليّة «الأمر المطلق» بالوضوء للجميع كلّما بطل التيمّم. ويعلّل ذلك بوجود خصوصيّةٍ في متعلّق الوضوء (وهي صرف الماء وإعمال القدرة في استعماله)، تمنع من توجّه الخطاب المطلق للجميع في عرضٍ واحدٍ عند ضيق الماء، وتقضي بجعل الوجوب على نحو الاشتراط بترك الغير.

وعليه، يعمد صاحب «المنتقى» عمليّاً إلى استنساخ الآليّة التي اعتمدها المیرزا النائيني في «وجوب الحيازة» (الاشتراط بعدم سبق الآخر)، وينقلها لتطبيقها على نفس «وجوب الوضوء». فالفارق بينهما أنّ النائيني صوّر وجوباً نفسيًّا للحيازة وجعله مشروطاً، بينما الروحاني اتّجه مباشرةً إلى وجوب الوضوء وجعله مشروطاً بترك الغير. ففي جانب التيمّم، يرى أنّ «مجرّد القدرة على استعمال الماء» كافيةٌ لرفع موضوعه والحكم ببطلانه. وفي جانب الوضوء، يرى أنّه رغم تحقّق موضوع الوجوب (وجدان الماء)، إلا أنّ تلك الخصوصيّة (عدم إمكان الجمع في الاستعمال) تمنع من تعلّق الوجوب المطلق بكلا الشخصين فعلاً. ولذا، يتحتّم جعل الوجوب بنحو القضيّة المشروطة: «يجب الوضوء على زيدٍ إن لم يتوضّأ عمرو، ويجب على عمرو إن لم يتوضّأ زيد».

ومحصّل ما تقدّم أنّه من جهةٍ، يصدق عنوان «القدرة على استعمال الماء» في حقّ كلٍّ منهما، فيخرجان معاً عن موضوع «فاقد الماء». وعليه، يصحّ القول بأنّه «بمجرّد القدرة على استعمال الماء يرتفع موضوعه فينتقض التيمّم». ومن جهةٍ أخرى، لمّا استحال امتثال وجوب الوضوء من الجميع في عرضٍ واحدٍ لتزاحمهم على الماء الواحد، امتنع توجّه الخطاب بالوضوء إليهم فعلاً بنحو الإطلاق والشمول. ولا مناص حينئذٍ من جعل الوجوب على نحو الاشتراط، أي «توجّه التكليف بالوضوء إلى كلٍّ منهم عند ترك الآخرين استعمال الماء».

وبناءً عليه، يرفض صاحب «المنتقى» دعوى التلازم المطلق التي أطلقها السيّد الخوئي بين بطلان التيمّم وبين فعليّة وجوب الوضوء غير المشروط للجميع. فأقصى ما تقتضيه وحدة الموضوع (وجدان الماء) هو ارتفاع موضوع التيمّم وثبوت سنخٍ من الوجوب للوضوء ـ ولو كان مشروطاً ـ لا ضرورة فعليّة الأمر المطلق بالوضوء لكافّة المكلّفين.

نقد دعوى الكشف عن عدم القدرة

والملاحظة الثانية التي يسجّلها صاحب «المنتقى» تستهدف تحليلاً آخر للسيّد الخوئي، وهو ما أفاده في فرض التسابق من أنّ سبق أحدهما لحيازة الماء والوضوء به يكشف عن عجز الآخر وعدم قدرته على الحيازة من رأس، ممّا يوجب الحكم بصحّة تيمّمه لكونه فاقداً للماء واقعاً. ويردّ السيّد الروحاني هذا التحليل بوضوح قائلاً:

وأمّا ما ذكره من عدم بطلان تيمّم غير السابق في صورة السبق لكشفه عن عدم قدرته، ففيه ما لا يخفى؛ فإنّ الفرض ما إذا كان كلٌّ منهما قادراً على الحيازة من أوّل الأمر ولم يُقدِم عليها، فسبق أحدهما إنّما يرفع القدرة بقاءً لا حدوثاً. نعم، لو لم يكن مجال أصلاً للحيازة قبل السابق، كان السبق مانعاً من تحقّق القدرة، لكنّه خلاف الفرض.

ويمكن تفكيك هذا النقد إلى ركيزتين:

١. الفرض الابتدائيّ للمسألة: إنّ مفروض الكلام هو أنّهما معاً ـ لحظة العثور على الماء ـ كانا مالكين للقدرة العرفيّة والعقلائيّة على الحيازة والاستعمال (القدرة الحدوثيّة)، وإن لم يبادرا لذلك فوراً.

٢. أثر السبق في القدرة البقائيّة: إنّ مبادرة أحدهما لحيازة الماء واستهلاكه، إنّما تعدم القدرة في حقّ الآخر «بقاءً» لا «حدوثاً». بمعنى أنّ التمكّن الأوّلي الذي تحقّق عند الجميع كان كافياً لرفع عنوان «فاقد الماء» عنهم حدوثاً. وبعد أن استنفد السابق الماء، انتفت القدرة البقائيّة عن اللاحق، ولكنّ هذا لا يعني كشفاً عن عجزه الابتدائيّ أبداً.

الفرض الاستثنائيّ، انتفاء المجال لغير السابق: نعم، يستدرك (قدّس سرّه) بأنّه لا يصحّ القول بكشفيّة السبق عن العجز الأوّليّ إلا في فرضٍ نادر، وهو ما إذا لم يكن لغير السابق أيّ مجالٍ أو فرصةٍ موضوعيّةٍ للحيازة من الأساس، كما لو كان الماء في حرزٍ لا يتسنّى الوصول إليه إلا لشخصٍ واحدٍ حصراً. ففي مثل هذا الفرض، تكون القدرة مختصّةً بالسابق واقعاً، ويكون الآخر عاجزاً منذ البدء.

خروج الفرض عن محلّ النزاع: بيد أنّ السيّد الروحاني يؤكّد أنّ هذا الفرض «خلاف مفروض البحث». إذ الكلام في موردٍ يمتلك فيه كلا الشخصين قابليّة المبادرة والسبق حدوثاً. وعليه، فلا سبيل للاستدلال بوقوع السبق خارجاً على نفي القدرة السابقة للآخر.

وتأسيساً على هذا التحليل، يرتّب السيّد الروحاني آثاراً تنسجم تماماً مع ما أصّله سابقاً. فبما أنّ كلاً من الشخصين كان لحظة العثور على الماء «قادراً على الحيازة من أوّل الأمر»، فقد ارتفع عنهما معاً عنوان «فاقد الماء» وانتفى موضوع صحّة التيمّم، ممّا يوجب الحكم بانتقاض تيمّمهما في آنٍ واحد. ولو بادر أحدهما بعد ذلك فسبق وتوضّأ، صحّ وضوؤه وامتثاله. وأمّا الآخر، الذي صار فاقداً للماء فعلاً بعد نفاده، فيلزمه استئناف تيمّمٍ جديد. ولو أحجم كلاهما عن الحيازة والوضوء رغم تمكّنهما، استحقّا العقاب معاً على ترك الامتثال.

وهكذا يتّضح أنّ صاحب «المنتقى» يلتقي مع المحقّق النائيني في النتيجة الفقهيّة (وهي بطلان تيمّمهما معاً وتبلور الصبغة الكفائيّة للمسألة)، ولكنّه يفترق عنه وعن السيّد الخوئي في المسار الأصوليّ:

1. فهو يستبعد تحليل المیرزا النائيني القائم على «الوجوب النفسيّ للحيازة».

2. ويرفض مبنى السيّد الخوئي في «التلازم المطلق» بين بطلان التيمّم والأمر المطلق بالوضوء، مستبدلاً إيّاه بالوجوب المشروط بترك الغير.

3. وينقض دعوى الخوئي بـ «كشف السبق عن العجز الأوّليّ»، معتبراً إيّاها خلطاً بين القدرة الحدوثيّة والبقائيّة.

وبهذا المسلك، يقدّم السيّد الروحاني تحليلاً منقّحاً يدور مداره حول ركنين: «ارتفاع موضوع التيمّم بمجرّد القدرة على الحيازة»، و«اشتراط وجوب الوضوء بترك الآخرين دفعاً للتزاحم».

حصيلة البحث والتحقيق المختار
تأييد نقد صاحب «المنتقى» على السيّد الخوئي في مسألة الكشف


بادئ ذي بدء، نجد أنّ ما أورده صاحب «منتقى الأصول» من نقدٍ على السيّد الخوئي في مسألة «كشف السبق عن عدم قدرة الغير» في محلّه تماماً. فالمرتكز المشترك بين المحقّق النائيني والمرحوم الروحاني هو أنّ الغاية الرافع لمشروعيّة التيمّم هو «حصول التمكّن من الماء». ومتى تحقّق التمكّن، انتفى موضوع «عدم الوجدان» وحكم ببطلان التيمّم. وفيما نحن فيه، المفروض أنّ كلاً من المتيمّمين يمتلك القدرة على حيازة الماء، بمعنى أنّ التمكّن الحدوثيّ من استعمال الماء ثابتٌ لكليهما لحظة العثور عليه. وعليه، يخرج كلاهما عن عنوان «فاقد الماء» وينتقض تيمّمهما.

وتأسيساً على ذلك، يتبيّن وهنُ ما ذهب إليه السيّد الخوئي من أنّ «سبق أحدهما للوضوء يكشف عن عجز الآخر من رأس وبقاء تيمّمه على الصحّة»؛ إذ إنّ السبق لا يعدم إلا القدرة البقائيّة، ولا يمسّ القدرة الحدوثيّة التي تحقّقت حين وجدان الماء، والتي هي مناط الخروج عن الفقدان. نعم، يختصّ العجز بالكشف في الفرض النادر الذي ينتفي فيه المجال للحيازة لغير السابق من الأساس، وهو خارجٌ عن مفروض المسألة. وعليه، فإنّ ملاحظة السيّد الروحاني على تقريب المحقّق الخوئي في هذه النقطة متينةٌ وتتّسق مع القواعد الأصوليّة المقرّرة.

مناقشة مبنى النائيني والروحاني: محوريّة «القدرة الفعليّة العرفيّة»

ورغم تسليمنا بالنقد المتقدّم، إلا أنّ أصل المبنى الذي شاده المحقّق النائيني وتبعه صاحب «المنتقى» يبقى محلّ تأمّل. فقطب الرحى في المسألة هو تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وتحديد نسبة «عدم الوجدان» إلى القدرة. فحتّى لو أرجعنا «عدم الوجدان» ـ تبعاً لبعض التقريرات ـ إلى «عدم القدرة»، فلا بدّ من تنقيح المراد: هل هي «القدرة الفعليّة العرفيّة» أم مجرّد «القدرة العقليّة الشأنيّة»؟ والمختار عندنا هو أنّ القدرة الشأنيّة ومحض التمكّن الافتراضيّ لا يكفي عرفاً لانتقاض التيمّم. فالظهور العرفيّ لـ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ منصرفٌ إلى «عدم القدرة الفعليّة» على استعمال الماء.

والآن، لنحاكم الفرض المذكور (ماء واحد ومكلّفان) إلى العرف. في ظلّ الواقع العينيّ الواحد، هل يحكم العرف بأنّ «كلا الشخصين قادرٌ بالفعل على استعمال هذا الماء»؟ كلّا؛ لأنّ الماء لا يسع إلا وضوءاً واحداً. نعم، قد يصدق التمكّن لو لاحظنا كلّ فردٍ «بمعزلٍ عن الآخر»، ولكنّ الخطاب الشرعيّ ناظرٌ إلى الواقع الخارجيّ المتشابك، لا إلى عوالم فرضيّة منفصلة.

وتفريعا على ذلك، لو حملنا ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على القدرة الشأنيّة، لصحّ القول بتمكّن كليهما وبطلان تيمّمهما معاً، وانفتح باب التزاحم في وجوب الحيازة أو الوضوء. أمّا لو حملناه ـ كما هو المختار ـ على القدرة الفعليّة العرفيّة، فإنّ العرف لا يرى في المقام إلا «قدرةً فعليّةً واحدة»، أي أنّ واحداً منهما فقط يعدّ في الواقع «واجداً للماء»، وإن كنّا نجهل تعيينه قبل العمل. وهذا التحليل يفرز نتائج هامّة:

1. في نطاق وجوب الوضوء: بناءً على القدرة الفعليّة العرفيّة، لا يمكن إثبات خطابين فعليّين متوجّهين لكلا المكلّفين، بل ينعقد علمٌ إجماليّ بثبوت وجوب الوضوء في حقّ «أحدهما» لا كليهما.

2. في نطاق صحّة التيمّم: وبموازاة ذلك، ينعقد علمٌ إجماليٌّ آخر ببطلان تيمّم واحدٍ منهما فقط، لا كليهما. ولهذا العلم الإجماليّ أثره الحاسم في مقام العمل:

- فلو توضّأ أحدهما، كشف ذلك عن كونه هو الواجد واقعاً، وأنّ تيمّمه قد بطل لحظة العثور على الماء، بينما يُحكم بصحّة تيمّم الآخر لكونه عرفاً «فاقد الماء».

- ولو تركا الوضوء حتّى تلف الماء وبقي الوقت، لم يجز لهما الصلاة بتيمّمهما السابق، للعلم الإجماليّ ببطلان أحد التيمّمين، بل يلزمهما استئناف تيمّمٍ جديد تحصيلاً لليقين بالامتثال.

النتيجة النهائيّة هی أنّ القول بـ «بطلان تيمّم كليهما» يتوقّف على حمل ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على محض التمكّن الشأنيّ، وهو خلاف الظاهر. والتحقيق يقتضي حمل الآية على القدرة الفعليّة، ممّا يستلزم بطلان تيمّم واحدٍ منهما في الواقع، لا كليهما.

علاقة البحث بباب التزاحم وتعدّد الخطابات

وثمّة نكتةٌ أخرى تتعلّق بارتباط هذا الفرع بباب التزاحم. فمن المقرّر في علم الأصول أنّ قوام التزاحم بتحقّق خطابين فعليّين؛ إذ لا معنى للتزاحم المصطلح بين حكمين تقديريّين أو مشروطين ما لم يبلغا رتبة الفعليّة. فلو اعتمدنا معيار «القدرة الشأنيّة»، لأمكن القول بجعل خطاباتٍ مشروطةٍ لكلّ واحدٍ منهما (كقوله: «إن لم يسبق الآخر فحز الماء»، أو «إن لم يتوضّأ الآخر فتوضّأ»). وعند تحقّق الشروط، ينفتح باب التزاحم بين هذه الخطابات.

أمّا بناءً على مبنى «القدرة الفعليّة العرفيّة»، فإنّنا إزاء ماءٍ واحدٍ ومكلّفَين، فلا يثبت إلا خطابٌ فعليٌّ واحدٌ منجّزٌ متوجّهٌ إلى «أحدهما». وفي هذه الحالة، لانتفاء التعدّد في الخطابات الفعليّة العرضيّة، لا يبقى موضوعٌ للتزاحم الحقيقيّ. بل ينحصر البحث في دائرة العلم الإجماليّ وتشخيص المنجَّز، لا في تزاحم وجوبين فعليّين. وعليه، فإنّ التصوير الذي قدّمه المحقّق النائيني وصاحب «المنتقى» ـ القائم على الواجبات العينيّة المشروطة بـ «عدم سبق الآخر» وطرح التزاحم بينها ـ إنّما يستقيم لو حملنا ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على القدرة الشأنيّة. وأمّا وفقاً لتفسيرنا المختار للآية، فإنّ هذا الهيكل الاستدلاليّ يفقد ركيزته وينهار.[4]

الرأي المختار في فرع المتيمّمين

وتأسيساً على ما تقدّم، يتلخّص الموقف النهائيّ في هذا الفرع بما يلي. إنّا نرتضي نقد صاحب «المنتقى» على السيّد الخوئي في إنكاره لكشفيّة السبق عن «عدم القدرة» لغير السابق، نظراً لكون الفرض الأساسيّ هو تمكّن كليهما حدوثاً من حيازة الماء. بيد أنّ حكم المحقّق النائيني وصاحب «المنتقى» ببطلان تيمّمهما معاً يبتني على توسعة مفهوم «التمكّن» ليشمل «القدرة الشأنيّة». ولكنّ التحقيق يقتضي حمل قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ـ بحسب الظهور العرفيّ ـ على «عدم القدرة الفعليّة على استعمال الماء». وفي فرض الماء الواحد والمتيمّمين، لا يقرّ العرف إلا بوجود «قدرةٍ فعليّةٍ واحدة». والنتيجة الحتميّة هي إمكان جعل خطابٍ فعليٍّ واحدٍ بوجوب الوضوء، والحكم ببطلان تيمّمٍ واحدٍ لا غير، وإن كان غير متعيّنٍ لدينا بسبب العلم الإجماليّ.

وعليه، فإنّ القول بصحّة كلا التيمّمين مردودٌ لمنافاة العلم الإجماليّ، والقول ببطلان كليهما مبتنٍ على توسعةٍ غير عرفيّة. والحقّ أنّنا نعلم إجمالاً ببطلان أحد التيمّمين لا بعينه. فمَن بادر وتوضّأ، كشف عن كونه هو الواجد واقعاً، وبطلان تيمّمه، وصحّة تيمّم الآخر. وإن تركا الوضوء حتّى تلف الماء وبقي الوقت، لم يجز لهما الاكتفاء بتيمّمهما السابق، للعلم الإجماليّ ببطلان أحدهما، فيلزمهما استئناف تيمّمٍ جديد تحصيلاً لليقين بالامتثال. وهكذا يتّضح أنّنا ـ بناءً على تفسيرنا المختار لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ـ إزاء ماءٍ واحد، ووضوءٍ واحد، وقدرةٍ فعليّةٍ عرفيّةٍ واحدة، وخطابٍ فعليٍّ منجّزٍ واحد، لا إزاء قدرتين فعليّتين وخطابين متزاحمين. نعم، لو التزمنا بمعيار القدرة الشأنيّة، لاستقام مبنى المحقّق النائيني وصاحب «المنتقى» وتصوير التزاحم، إلا أنّ هذا الحمل ـ كما أسلفنا ـ بعيدٌ عن الظهور العرفيّ للآية الشريفة.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

--------------------
[1]. وكما مرّ آنفاً، فإنّ فرض تعدّد الغرض في الواجب الكفائيّ لا يعدو كونه تصويراً ثبوتيّاً محضاً، ويندر العثور على مصداقٍ شرعيٍّ واضحٍ له.
[2]. ‏الروحانی، محمد، «منتقی الأصول»، ج 2، ص 502-503.
[3]. ‏المصدر نفسه، ج 2، ص 503.
[4]. وفي المقابل، قد يُناقش في تضييق دلالة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ وحصرها في «القدرة الفعليّة» بهذا الحدّ، ويُنتصر لمبنى المحقّق النائيني استناداً إلى قراءةٍ موسّعةٍ لعنوان «وجدان الماء»، وحملِ الآية عرفاً على «الوجدان النوعيّ».

--------------------
المصادر
- الروحانی، محمد، منتقی الأصول، ۷ ج، قم، دفتر آيت الله سيد محمد حسينی روحانی، 1413.

الملصقات :

التيمم الوجوب المشروط العلم الإجمالي التزاحم الواجب العيني الواجب الكفائي صرف وجود المكلَّف الوضوء وجدان الماء وجوب الحيازة القدرة الشأنيّة القدرة الفعليّة شرطيّة القدرة في التكليف

نظری ثبت نشده است .