درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/١١


شماره جلسه : ۶۸

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • التحقيق في مبنى «افتقار الحكم إلى المكلّف»

  • بيان ونقد أدلّة المشهور (الافتقار الذاتي للحكم إلى المكلّف)

  • مناقشة تفصيليّة للمباني الأربعة في حقيقة الحكم على ضوء النقد المتقدّم

  • المبنى الأوّل: الحكم بمعنى الإرادة التشريعيّة

  • المبنى الثاني: الحكم بمعنى الطلب الإنشائي

  • المبنى الثالث: الحكم بمعنى البعث والتحريك

  • المبنى الرابع: الحكم بمعنى اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف

  • تبيين مبنى «الخطابات القانونيّة» ولوازمه كنظريّة بديلة

  • اللوازم والنتائج الهامّة المترتّبة على النظريّة

  • العودة إلى مسألة الواجب الكفائي: الاستنتاج النهائي

  • الرأي المختار

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

تمحور البحث في الجلسة السابقة حول تبيين التحليل النهائي الذي انتهى إليه المحقّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) في تصوير حقيقة الواجب الكفائي، مبتنياً في ذلك على أصلٍ موضوعي هو «لابدّية تعيين المكلّف بالخصوص في كلّ تكليف». فبعد أن ناقش وأبطل الاحتمالات الأربعة المتصوّرة في تحديد المكلّف (وهي الواحد المعيّن، الواحد المردّد، صرف وجود المكلّف، والمجموع من حيث المجموع)، خلص إلى أنّ الصورة المعقولة الوحيدة هي توجّه الخطاب والوجوب إلى «عامّة المكلّفين» بنحوٍ ينحلّ فيه التكليف انحلالاً استغراقيّاً بعدد أفرادهم. وعلى ضوء هذا الانحلال، يصبح تعدّد الامتثال والعصيان، وكذا المثوبة والعقوبة، أمراً معقولاً ومبرّراً تماماً كما هو الحال في الواجب العيني. وإنّما تكمن العقدة في وجه سقوط التكليف عن الباقين بفعل البعض. ومفتاح الحلّ عند المحقّق الأصفهاني يكمن في «وحدة الغرض». ففي الواجب الكفائي، يكون الغرض الشرعي واحداً (إمّا واحداً بالشخص كالدفن، أو واحداً بالسنخ كصلاة الميت الواحدة)، ونسبة هذا الغرض إلى قدرة جميع المكلّفين وإرادتهم على السواء. وحيث إنّ تخصيص فردٍ معيّن لتحصيله ترجيحٌ بلا مرجّح، والتعليق على «المردّد» أو «المجموع» محال عقلائيّاً أو عقليّاً، فلا مناص من جعل الوجوب على كلّ فردٍ فرد. ولكن، بما أنّ الغرض يستوفى ويتحقّق بفعل أيّ واحد منهم، فبمجرّد تحقّقه يسقط الوجوب عن الباقين لانتفاء ملاكه وسقوط فاعليّته. وما يظهر من «جواز الترك» للباقين، ليس مجعولاً شرعيّاً مستقلاً، بل هو نتيجة عقليّة قهريّة لحصول الغرض وسقوط البعث. وبناءً على هذا التحليل، تتّضح الصور الثلاث الأساسية للواجب الكفائي: ١- إذا قام الجميع بالفعل دفعةً واحدة، فالكلّ ممتثلون ومستحقّون للثواب. ٢- إذا تواطأ الجميع على الترك، فالكلّ عصاة ومستحقّون للعقاب (لتنجّز التكليف المنحلّ على كلّ واحد). ٣- إذا قام به البعض وتركه الآخرون، حصل الغرض بفعل البادئ، وسقط التكليف عن الباقين. وقد بيّن المحقّق الأصفهاني أنّ هذا الهيكل النظري (انحلال الحكم ووحدة الغرض) كافٍ لتفسير الواجب الكفائي دون الحاجة لتمثيل الآخوند الخراساني بـ «توارد العلل المتعدّدة على معلول واحد»، والذي أورد عليه إشكالات. نعم، في موارد الاشتراك الحقيقي في فعل واحد (كالتعاون في الدفن)، واجه إشكالاً دقيّاً في صدق عنوان «الامتثال» المستقلّ لكلّ فرد، وعالجه بالالتزام بسقوط الأمر لحصول الغرض مع بقاء مناط استحقاق المدح والثواب للجميع.

التحقيق في مبنى «افتقار الحكم إلى المكلّف»

يندرج البحث في حقيقة الواجب الكفائي ضمن إطار "الاحتمالات الخمسة" التي صاغها المحقّق الأصفهاني، حيث يرتكز جوهر البحث على تحليل الصلة القائمة بين الخطاب الشرعي والمكلّف في هذا النمط من التكاليف. وفي هذا السياق، نجد أنّ الرؤية التي تبنّاها المحقّق الأصفهاني، واقتفى أثره فيها جمهرة من المحقّقين المتأخّرين - كالسيّد الخوئي (قدّس سرّه) - تبتني على ركيزة محوريّة مفادها أنّ كلّ حكمٍ تكليفي، مضافاً إلى حاجته إلى متعلّق (كالصلاة والصوم)، يفتقر ذاتاً إلى موضوعٍ يصبّ عليه، وهو «المكلّف». وبعبارة أُخرى، إنّ حقيقة الإنشاء أو الحكم الشرعي لا تجد طريقها إلى التحقّق والفعليّة ما لم يُلحظ فيها الطرف الذي تستقرّ العهدةُ في ذمّته. وقد شكّلت هذه الدعوى المرتكز الأساس في تفسيرهم للواجب الكفائي.

إلا أنّه وفي المقابل، يمكن إخضاع هذه المصادرة للنقاش الجادّ بالاستناد إلى مسالك أصوليّة أُخرى، كنظريّة «الخطابات القانونيّة» للإمام الخميني (رضوان الله عليه). وعليه، فتحرير محلّ النزاع بدقّة يكمن في الإجابة عن التساؤل التالي: هل تقتضي الضرورة العقليّة للامتثال أن يكون المكلّف ملحوظاً بصفته «موضوعاً» أو «مخاطباً» في صميم حقيقة الإنشاء وماهيّة الحكم؟ أم يمكن تعقّل الحكم وتصويره بنحوٍ يتوجّه فيه البعث إلى «صرف الفعل» والمادة، ويكون إلزام المكلّف بالإتيان به أمراً خارجاً عن حقيقة الجعل، مستفاداً من القرائن وحكم العقل في مقام الامتثال والطاعة؟ ولا ريب أنّ تحديد الموقف من هذا التساؤل سيلعب دوراً مفصليّاً في تبيين الماهيّة النوعيّة للواجب الكفائي ورسم حدود تمايزه عن الواجب العيني.

بيان ونقد أدلّة المشهور (الافتقار الذاتي للحكم إلى المكلّف)

تتمحور العمدة في استدلال القائلين بضرورة أخذ المكلّف ذاتاً في قوام الحكم، حول الارتكاز على أنّ حقيقة الحكم أو الإنشاء - بصرف النظر عن التباين في تعريف ماهيّته - تمثّل أمراً نسبيّاً وإضافيّاً. ومن بديهيّات الأمور الإضافيّة أنّها تتقوّم عقلاً بطرفيها. وبناءً على ذلك، فكما يستحيل تحقّق الحكم بلا متعلّق (الفعل)، كذلك يمتنع تحقّقه بلا موضوع (الفاعل المخاطب). وقد بسط المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) الكلام في تقرير هذه الحجّة، مبيّناً جريانها واطّرادها على جميع المباني الأربعة المشهورة في تفسير حقيقة الحكم. وعبارته في (المحاضرات)[1] ناطقة بهذا المبنى، حيث قال:

لا يخفى أنّ الأمر الوارد من قبل الشرع كما أنّه بحاجة إلى المتعلّق، كذلك هو بحاجة إلى الموضوع، فكما أنّه لا يمكن تحقّقه ووجوده بدون الأوّل، فكذلك لا يمكن بدون الثاني، ولا فرق في ذلك بين وجهة نظر ووجهة نظر آخر... على جميع هذه التقادير بحاجة إلى الموضوع كحاجته إلى المتعلّق.

فمن منظور السيّد الخوئي، من البديهيّات أنّ الأمر الشرعي يفتقر إلى الموضوع (المكلّف) افتقاره إلى المتعلّق (الفعل)، لاستحالة تحقّق النسبة بلا طرفين. وهذه الحقيقة ثابتة لا تتغيّر بتغيّر المسالك في تعريف الحكم، فالحاجة إلى الموضوع قرينة الحاجة إلى المتعلّق في جميع التقادير.

المناقشة المبنائيّة في الاستدلال

يرجع جوهر الإشكال على هذا الاستدلال إلى الخلط المنهجيّ بين مقامين متمايزين تمام التمايز: مقام الإنشاء والخطاب، ومقام الامتثال والإتیان. فقد عمد القائلون إلى سحب اللوازم العقليّة لمقام الامتثال (وهو لزوم التصدّي للفعل من قبل المكلّف) وإقحامها في مقام الإنشاء، جاعلين منها جزءاً مقوّماً لماهيّة الحكم وحقيقته. والتحقيق، أنّه في مقام الإنشاء، للمولى أن يكتفي بإبراز «مطلوبيّة» الفعل أو «وجوبه»، دون أن يتوجّه بالخطاب المباشر إلى فاعلٍ بخصوصه، أو يأخذ الفاعل قيداً في صميم هذا الاعتبار. والمثال العرفي الجليّ على ذلك يتّضح في موارد تعلّق الإرادة أو الطلب بصرف وجود الشيء، كما لو قال شخص: «أريد ماءً». ففي هذا التعبير، انصبّ الطلب والإرادة على «حصول الماء» وتحقّقه الخارجي، دون أن يكون الفاعل (مُحضِر الماء) جزءاً من محتوى هذا الطلب أو الإرادة.

أمّا تحديد «من يجب عليه إحضار الماء»، فهو مسألة موكولة إلى حكم العقل في مقام الامتثال والطاعة، استناداً إلى القرائن الحافّة، لا أنّ تعيين الفاعل مأخوذٌ في رتبة الإنشاء وإبراز الطلب. وتأسيساً على ذلك، فإنّ لزوم التصدّي للفعل عقلاً من قبل المكلّف، إنّما هو أمرٌ يُستفاد من القرائن وحكم العقل في مرحلة متأخّرة عن الإنشاء، وليس مقوّماً ذاتيّاً لماهيّة الإنشاء نفسه. وبهذا يظهر عدم تماميّة دعوى الافتقار الذاتي للحكم إلى لحاظ المكلّف في مرتبة الجعل.

مناقشة تفصيليّة للمباني الأربعة في حقيقة الحكم على ضوء النقد المتقدّم

لقد سعى السيّد الخوئي (قدّس سرّه) لتثبيت دعواه من خلال تطبيقها على المباني الأربعة المشهورة في تفسير حقيقة الحكم. وسنرى أنّ النقد العام الذي أسلفناه، يسري ويجري في مفاصل كلّ واحدٍ من هذه المباني.

المبنى الأوّل: الحكم بمعنى الإرادة التشريعيّة

قرّر السيّد الخوئي هذا المبنى بقوله:

أمّا على الأوّل فواضح، وذلك لأنّ الإرادة لا توجد في أفق النّفس بدون المتعلّق... فالمتعلّق إذا كان فعل نفسه فهي توجب تحريك عضلاته نحوه، وإن كان فعل غيره فلا محالة يكون المراد منه ذلك الغير، بمعنى أنّ المولى أراد صدور هذا الفعل منه في الخارج.

ومحصّل كلامه أنّ الإرادة التشريعيّة، إن تعلّقت بفعل الغير، فلا بدّ أن يتضمّن المراد ذلك الغير (المكلّف) بوصفه مصدراً للفعل. إلا أنّ الإشكال يكمن في الخلط بين «إرادة صدور الفعل» مطلقاً، وبين «إرادة صدوره من شخصٍ معيّن». فللمولى - ثبوتاً - أن تتعلّق إرادته التشريعيّة بـ «وجوب الصلاة» أو «مطلوبيّة دفن الميت» بما هي طبيعة، دون أن يُقيد هذه الإرادة في مرحلة تعلّقها بفاعلٍ محدّد. فالمطلوب هو أصل وجود الفعل، وأمّا تعيين مَن يقوم به فهو وظيفة العقل في مقام الامتثال، لا قيدٌ في ذات الإرادة التشريعيّة.

المبنى الثاني: الحكم بمعنى الطلب الإنشائي

وفي مقام تطبيق دعواه على المبنى الثاني، أفاد السيّد الخوئي (قدّس سرّه) قائلاً:

أمّا على الثاني فأيضاً كذلك، ضرورة أنّ الطلب كما لا يمكن وجوده بدون المطلوب، كذلك لا يمكن وجوده بدون المطلوب منه، لأنّه في الحقيقة نسبة بينهما وهذا واضح.

فمفاد كلامه أنّ الطلب حقيقةٌ نسبيّة تتقوّم بثلاثة أركان: الطالب، والمطلوب (الفعل)، والمطلوب منه (الفاعل)، ولا يعقل تحقّق الطلب بانتفاء أحد أطرافه. وفي الجواب نقول: إنّ النسبة التي يتقوّم بها الطلب هي النسبة القائمة بين «الطالب» و«المطلوب». أمّا «المطلوب منه» (أي الفاعل)، فهو من لوازم التحقّق الخارجي للمطلوب، وليس ركناً داخلاً في ذات المفهوم الإنشائي للطلب. فعندما يعلن المولى: «الصلاة مطلوبةٌ لي»، فقد تمّت حقيقة الطلب بتمام أركانها الإنشائيّة. أمّا السؤال عن «مَن يجب عليه تحقيق هذا المطلوب؟»، فهو سؤالٌ ينتمي إلى مرحلة لاحقة، هي مرحلة الامتثال وتطبيق المطلوب في الخارج.

المبنى الثالث: الحكم بمعنى البعث والتحريك

وفي معرض حديثه عن المبنى الثالث، يقول السيّد الخوئي (قدّس سرّه):

أمّا على الثالث فلأنّ البعث نحو شيء لا يمكن أن يوجد بدون بعث أحد نحوه، والتحريك نحو فعل لا يمكن أن يتحقّق بدون متحرّك، ضرورة أنّ التحريك لا بدّ فيه من محرّك ومتحرّك وما إليه الحركة، من دون فرق في ذلك بين أن تكون الحركة حركة خارجية وأن تكون اعتبارية.

ومراده أنّ البعث والتحريك يستلزمان وجود «المبعوث» و«المتحرّك» بالضرورة، سواء في عالم التكوين أو الاعتبار. والمناقشة في ذلك أنّ هذا القياس قياسٌ مع الفارق. ففي التحريك والبعث الخارجي التكويني، لا ريب في أنّ وجود الجسم المتحرّك يمثّل جزءاً مقوّماً وعلّةً لصدق عنوان الحركة. أمّا في «التحريك الاعتباری» (الذي هو محض اعتبار وجعل، وليس فعلاً فيزيائيّاً)، فلا ضرورة لمثل هذا التلازم؛ إذ يمكن للمولى اعتبار الفعل «محرَّكاً إليه» دون تعيين شخصٍ بعينه كمتحرّك في صلب الاعتبار. هذا، مع الالتفات إلى أنّ أصل تعريف الحكم بالبعث والتحريك هو محلّ تأمّل ونقاش جوهري، لا سيّما بناءً على مسلك الخطابات القانونيّة - الذي سيأتي بيانه - حيث تنتفي موضوعيّة البحث عن البعث والتحريك الشخصي كماهيّة للحكم.

المبنى الرابع: الحكم بمعنى اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف

وفيما يتعلّق بالمبنى الرابع، يقرّر السيّد الخوئي (قدّس سرّه) قوله:

أمّا على الرابع فأيضاً الأمر كذلك، لما عرفت من أنّ معنى الأمر هو اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف وإبرازه في الخارج بمبرز. ومن المعلوم أنّه كما لا يمكن أن يتحقّق في الخارج بدون متعلّق، كذلك لا يمكن أن يتحقّق بدون فرض وجود المكلّف فيه.

وخلاصته إنّ حقيقة الحكم هي «اعتبار الفعل ديناً في ذمّة المكلّف»، وهذا المفهوم بطبعه يستدعي وجود ذمّةٍ (مكلّف) ليقوم الاعتبار بها. والنقد الوارد عليه أنّ إقحام قيد «على ذمّة المكلّف» في تعريف الحكم هو عين المصادرة على المطلوب، وليس جزءاً بديهيّاً من مفهوم «الاعتبار» بما هو هو. إذ بإمكان المولى - عقلاً واعتباراً - أن يعتبر «الوجوب» للصلاة، أو يجعل الصلاة «واجبة»؛ وأمّا كون هذا الوجوب ثقلاً يستقرّ على ذمّة أحد، فهو من الآثار واللوازم المترتّبة على هذا الاعتبار في وعاء الامتثال، لا أنّه مقوّمٌ لماهيّة الاعتبار ذاته. بل إنّ هذا القيد يُعدّ زائداً ولا وجّه له بناءً على نظريّة الخطابات القانونيّة.

النتيجة النهائيّة: يُفضي بنا التحليل التفصيلي للمباني الأربعة إلى أنّ استدلال المشهور على «الضرورة الذاتيّة لأخذ المكلّف في قوام الحكم» يبتني أساساً على الخلط بين مرحلتي الإنشاء والامتثال. وقد تبيّن في مناقشة كلّ مبنىً على حدة، أنّ الدليل إمّا أن ينطوي على مصادرةٍ على المطلوب (كما في المبنى الرابع)، أو قياسٍ مع الفارق (كما في المبنى الثالث). وبانهيار هذا الأصل الموضوعي، يفسح المجال أمامنا لتبنّي مقاربةٍ أُخرى في تحليل العلاقة بين الحكم والمكلّف، تختلف جذريّاً عمّا ذهب إليه المشهور.

تبيين مبنى «الخطابات القانونيّة» ولوازمه كنظريّة بديلة

بعد تضعيف أدلّة القائلين بالافتقار الذاتي للحكم إلى المكلّف، يبرز التساؤل التالي: ما هي النظريّة الكَفيلة على صياغة العلاقة بين الحكم الشرعي والمكلّفين صياغةً سليمةً وبريئةً من الإشكالات المتقدّمة؟ وهنا تتجلّى نظريّة «الخطابات القانونيّة» التي شيّد أركانها الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، بوصفها البديل المنهجي الشامل. تكمن النواة المركزيّة لهذه النظريّة في أنّ الشارع المقدّس، في مقام بيان الأحكام، ليس بصدد توجيه خطابات شخصيّة مباشرة إلى أفرادٍ مشخّصين، بل هو بصدد سنّ وتشريع قوانين كلّية وعامّة. وبتعبيرٍ أدقّ، إنّ الصادر من قِبل الشارع هو «وضعٌ قانوني - تكليفي» عامّ، يُحاكي القوانين الموضوعة في الأنظمة الحقوقيّة والعقلائيّة للمجتمع بأسره.

وعليه، فإنّ مصطلح «الخطاب» - إن حُمل على معنى المخاطبة الشخصيّة والمشافهة المباشرة - لا يصدق على هذا المقام أصلاً؛ بل حقيقة الأمر هي «جعل القانون». وانطلاقاً من هذا الفهم، رفض الإمام الخميني (قُدّس سرّه) فكرة «انحلال الخطاب» بعدد أفراد المكلّفين - التي لجأ إليها المشهور لحلّ معضلة شمول التكليف للحاضر والغائب وتعدّد المكلّفين في الواجب العيني - رفضاً قاطعاً. وذلك لأنّ الانحلال يستلزم تعدّد الإنشاء والجعل، في حين أنّ جعل القانون حقيقةٌ واحدةٌ لا تتعدّد.[2]

اللوازم والنتائج الهامّة المترتّبة على النظريّة

وتتفرّع على هذا الأساس المتين جملة من اللوازم والنتائج الحيويّة:

١- انتفاء الحاجة إلى مخاطب معيّن في ذات الحكم: بما أنّ الحكم حقيقة قانونيّة عامّة، فلا ضرورة لاستحضار مخاطبين خاصّين (سواء كانوا حاضرين أم غائبين أم معدومين) في ذهن المشرّع لحظة الجعل. فالقانون يسري ويحكم على كلّ من يندرج تحت مظلّته وشروطه، دون حاجة لتعيين مسبق.

٢- حلّ الإشكالات المشهورة: تتهاوى أمام هذه النظريّة الإشكالات العويصة التي شغلت الأصوليين، من قبيل «قبح خطاب الغائب» أو «امتناع خطاب المعدوم»؛ إذ لا وجود لخطابٍ شخصيّ من الأساس ليرد عليه الإشكال، فالأمر برمّته جعلٌ لقانونٍ سارٍ.

٣- تفسير الآيات الخطابيّة: وحتى الآيات الكريمة المصدّرة بأدوات الخطاب (مثل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»)، فإنّها تُفسّر - وفقاً لهذه الرؤية - لا بوصفها مخاطبات شخصيّة للمؤمنين في عصر النزول، بل كصياغات تشريفيّة لإعلان حكمٍ قانوني كلّي. وبناءً عليه، يكون مدلول هذه الأحكام عامّاً شاملاً لجميع المكلّفين (بمن فيهم الكفّار في التكاليف المشتركة)، ويكون تخصيص «الذين آمنوا» بالذكر إمّا لكونهم الفئة المنقادة فعلاً، أو لمحض التشريف، لا لتخصيص الحكم بهم. وكما عبّر الإمام: «الألفاظ ألفاظ خطاب، لكنّ الواقع ليس بخطاب».

٤- الصلة بمحلّ البحث وتأييد النقد المتقدّم: إنّ تبنّي نظريّة الخطابات القانونيّة يقدّم رافداً قويّاً للنقد الذي وجّهناه لرأي المشهور. فما دام الشارع في مقام «جعل القانون»، فمن الطبيعي ألا يفتقر في عمليّة الجعل نفسها إلى لحاظ فردٍ أو أفرادٍ بخصوصهم كموضوعٍ للخطاب. فقانون «وجوب الصلاة» أو «حرمة الربا» يُجعل بنحو القضيّة الكلّية. أمّا تحديد مَن تقع العهدة عليهم وكيفيّة الامتثال، فهو أمرٌ موكولٌ إلى تحقّق شروط الموضوع خارجاً وحكم العقل بضرورة الطاعة واستيفاء الغرض، ولا دخالة له في ذات الجعل التشريعي.

العودة إلى مسألة الواجب الكفائي: الاستنتاج النهائي

بعد أن اتّضح ثبوتاً إمكان عدم لحاظ المكلّف في صميم حقيقة الحكم، نعود لنطرح السؤال الجوهري من جديد: على أيّ أساسٍ يبتني التمايز بين الواجب الكفائي والواجب العيني؟ والجواب التحقيقي هو إنّ تشخيص هويّة الوجوب - كونه عينيّاً أو كفائيّاً - لا يُلتمس من مجرّد الألفاظ وصيغ الأمر؛ إذ قد تكون الصياغة اللفظيّة واحدة في الموردين (كما في قوله تعالى: «أقيموا الصلاة» ووجوب دفن الميت المستفاد من الأدلّة). وإنّما يُستنبط ذلك من خلال القرائن الخارجيّة، وفهم الغرض العقلائي الذي توخّاه الشارع من تشريع ذلك الحكم. فالعقل، بتأمّله في طبيعة الفعل ونوعيّة المصلحة الكامنة فيه، هو الذي يحكم بكيفيّة الامتثال المطلوبة.

ففي الواجب العيني (كالصلاة اليوميّة)، يدرك العقل أنّ غرض الشارع هو تحقيق حالةٍ من العبوديّة والارتباط المعنوي في نفس كلّ فردٍ من أفراد المكلّفين. وبما أنّ هذا الغرض لا يقبل الإنابة ولا يحصل بفعل الغير، يحكم العقل بأنّ الامتثال لا يتحقّق إلا بأن يتصدّى كلّ مكلّفٍ للفعل بنفسه وبشكلٍ مستقلّ. ومن هنا، يكتسب الوجوب صبغة عينيّة وشخصيّة. وأمّا في الواجب الكفائي (كدفن الميّت)، فإنّ الغرض المولويّ منصبٌّ على تحقيقِ نتيجةٍ خارجيّةٍ موضوعيّة، أو سدّ خلّةٍ، أو دفعِ مفسدةٍ عامّة (كحفظ حرمة الميّت أو رعاية الصحّة العامّة). وهنا، يُدرك العقل أنّ المصلحة قائمةٌ بـ «أصل الوجود الخارجي للفعل»، بغضّ النظر عن صدوره من زيدٍ أو عمرو. وبناءً عليه، يحكم العقل بأنّه متى ما تحقّق هذا الغرض واستوفي في الخارج - بأيّ نحوٍ كان، وسواء تمّ بفعل فردٍ واحدٍ أو جماعة - فإنّ التكليف يسقط عن عهدة الباقين، ضرورة أنّ غرض الشارع ليس تكراراً صِرفاً للفعل بلا طائل، بعد حصول المقصود.

النتيجة والمحصلة

يتبيّن ممّا تقدّم أنّ مناط التمايز بين القسمين يكمن في «نوعيّة الغرض الشرعي» الذي يتوصّل العقل إلى كشفه وتحديده عبر القرائن الحافّة وخصوصيّات المتعلّق. وهذا التحليل ينسجم تمام الانسجام مع مسلك «الخطابات القانونيّة»؛ ذلك أنّ القانون الكلّي المجعول من قِبل الشارع، تتحدّد مصاديقه وكيفيّة امتثاله تبعاً لسنخ الغرض الكامن فيه. كما أنّه يرفع عنّا مؤونة «إشكال الانحلال» وتعدّد الإنشاءات في الواجبات العينيّة؛ إذ إنّ القانون الكلّي لـ «وجوب الصلاة» - مثلاً - وبمقتضى طبيعة غرضه القائم بكلّ نفسٍ إنسانيّة، يستقرّ قهراً وتلقائيّاً على عهدة كلّ مكلّف، من دون حاجةٍ إلى افتراض انحلالٍ اعتباريّ أو تعدّدٍ في عمليّة الجعل والإنشاء.

الرأي المختار

تأسيساً على ما تقدّم من تبيين، يمكن بلورة النظريّة المختارة في هذا المبحث على النحو التالي: إنّ الواجب الكفائي هو واجبٌ صاغه الشارع المقدّس بنحو «القانون الكلّي»، انطلاقاً من غرضٍ يقتضي التحقّق الخارجي لفعلٍ معيّن، دون أن يكون للحاظ شخصٍ أو أشخاصٍ محدّدين مدخليّة في مرحلة الجعل والإنشاء كموضوعٍ للخطاب. وعليه، فإنّ تشخيص كفائيّة الواجب لا يُلتمس من ذات الخطاب، بل يُستكشف من سنخ الغرض العقلائي للشارع المستفاد من التدبّر في طبيعة المتعلّق.

وهذه الرؤية تبتني - كما اتّضح - على رفض أدلّة المشهور القائلة بالضرورة الذاتيّة لأخذ المكلّف في حقيقة الحكم، والاعتماد على الأصول الفكريّة المقاربة لنظريّة «الخطابات القانونيّة». وبذلك، نخرج بتحليل ماهيّة الواجب الكفائي من دائرة «الاحتمالات الخمسة» المفترضة في حقيقة الحكم، لنرسّخ التحليل على أساس «المقاصد والغايات» (التحليل الغائي) والنظرة الشموليّة لـ «جعل القانون».

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

------------------------
[1]- ‏خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 50-51.
[2]- ‏خمینی، روح الله، «مناهج الوصول إلى علم الأصول‏»، ج 2، ص 24-28؛ خمینی، روح الله، «تهذیب الأصول»، با جعفر سبحانی تبریزی، ج 3، ص 228-233.

-------------------------
المصادر
- خمینی، روح الله، تهذیب الأصول، جعفر سبحانی تبریزی، ۳ ج، تهران، مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی (قدس سره)، 1381.
- ———، مناهج الوصول إلى علم الأصول‏، ۲ ج، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.



الملصقات :

الإنشاء الخطابات القانونيّة الواجب العيني الواجب الكفائي انحلال الحكم الخطاب الشرعي المكلَّف متعلَّق الحكم موضوع الحكم جعل القانون غرض الشارع ماهيّة الحكم الإرادة التشريعيّة

نظری ثبت نشده است .