pic
pic
  • ۱۵۱

    الشرعي الذي يُعبّر عنه بالأثر الجعلي، والآخر هو الأثر التكويني وما هو موجود في باب الوضوء هو الأثر الشرعي والنسبة بين هذا الأثر ومؤثره نسبة المسبّب إلى السبب بمعنى أنّ الشارع قد جعل أفعال الوضوء من الغسلتين والمسحتين سبباً لأثر يعبّر عنه بالطهارة أمّا الأثر الموجود في الصلاة فهو أثر تكويني كالنهي عن الفحشاء والمنكر والتقريب إلى الله فالأثر أن مختلفان ولا يمكن قياس أثر الوضوء على آثار سائر العبادات التي منها الصلاة.

    والظاهر أنّ في هذا الجواب تأمّلاً واضحاً وتكلّفاً ظاهراً، أولاً لعدم وجود قرينة في كلمات الشيخ الأنصاري تدلّ على أنّ المراد من الأثر هو خصوص الأثر الشرعي الوضعي دون الأثر التكويني.

    ثانياً لو سلّمنا وجود القرينة على ذلك وأنّ الشيخ قد لاحظ الفرق إلاّ أنّ هناك إشكالاً آخر يرد على هذا المجيب وهو أنّه كيف فرّق بين الأثر الشرعي والأثر التكويني؟ فإنّ الأثر التكويني أيضاً بمقتضى قاعدة: (الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد) لابدّ من أن يكون فيه المسبّب الواحد كاشفاً عن وحدة السبب فلا وجه للفرق بين الأثر الشرعي والأثر التكويني بأيّ وجه من الوجوه ـ فالمحقق العراقي إنّما أورد على الشيخ الأنصاري بانّ ما استدلّ به ليس في الواقع دليلاً وبالتالي يبقى كلام الشيخ ادّعاءً من غير دليلٍ.

    وبالجملة فإنّ إشكالي المحقق العراقي على كلام الشيخ الأنصاري لا غبار عليهما، وبالتالي لا يكون دليل الشيخ الأنصاري تامّاً، ومن هنا لابدّ من التعرّض فيما يأتي للوجوه الأخرى للجمع بين الصحيحة والموثقة.

    دراسة الوجوه الأخرى للجمع بين الصحيحة والموثّقة:

    الوجه الثاني للجمع بين صحيحة زرارة وموثقة ابن أبي يعفور هو أنّ الجمع الدلالي بينهما غير متيّسر فيما نحن فيه ومن هنا قالوا:

  • ۱۵۲

    إنّ الموثقة مخالفة للعامّة بينما الرواية الصحيحة موافقة لهم فيكون صدورها على وجه التقيّة فلابدّ من الأخذ بالموثّقة وطرح الصحيحة.

    وهذا الوجه لا صحّة له إذ لو كانت العامة متّفقةً على القول الواحد لصحّ هذا الوجه إلاّ أنّ العامة مختلفة على أقوال متعدّدة فلا يجوز على هذا حملُ الصحيحة على التقيّة.

    الوجه الثالث للجمع على ما قيل هو أنّ الأمر (فأعد عليهما) المذكور في صحيحة زرارة لابدّ من حمله على الاستحباب بقرينة قوله(ع) في الموثّقة: (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء ودخلت في غيره فليس شكّك بشيءٍ).

    والإشكال الوارد على هذا الوجه هو أنّ الحمل على الاستحباب إنّما يتم فيما لو أحرزنا أنّ الحكم من الأحكام التكليفيّة، أمّا لو احتملنا كون الحكم إرشادياً فلا مجال للحمل على الاستحباب فإنّ الحكم الموجود في صحيحة زرارة (القائل بأنّ المكلّف طالماً لم يفرغ من الوضوء بل هو منشغل به وجب عليه الاعتناء بشكّه ولابدّ من إعادة العمل) إرشاد إلى حكم العقل.

    الوجه الرابع: قالوا من أنّ موثقة ابن أبي يعفور تسقط عن الحجّية والاعتبار بسبب وجود الإجماع المستفيض في هذه المسألة فلابدّ من الأخذ بالحكم الوارد في صحيحة زرارة.

    وبعبارة أخرى فإنّ إعراض المشهور عن العمل بمضمون الموثّقة يوجب كسرها وتضعيفها.

    بالنسبة إلى هذا الوجه لابدّ من القول بأنّ المسألة مبنائية حيث إنّ مبنى المشهور أنّ إعراض المشهور يؤدّي إلى ضعف الرواية، هذا مضافاً إلى أنّ الإجماع هنا يحتمل استناده إلى صحيحة زرارة فيكون إجماعاً مدركياً كما

  • ۱۵۳

    ذكرنا ذلك فيما سبق، ومن المعلوم أنّ الإجماع المدركي والشهرة المذكورة لا يقدحان بالرواية.

    وبعبارة أوضح إنّ الشهرة إنمّا تكون قادحة فيما لو لم يُعلَمْ مستند المشهور والمجمعين أمّا لو أحرزنا مستندهم فلا يكون الإجماع هو الأساس والعمدة بل يرتكز البحث حينئذٍ على صحة مدرك عمل المشهور ومستنده وعلى هذا فلا صحة لهذا الوجه أيضاً.

    الوجه الخامس للجمع ما ذكره الشيخ الأعظم(1) وأقرّه المحقق العراقي(2) وهو أن نلتزم بإرجاع ضمير (غيره) الوارد في الموثقة إلى الوضوء لا إلى (الشيء) من باب أنّ الأقرب يمنع الأبعد، وعليه فيكون مفاد الرواية أنّك لو لم تدخل في غير الوضوء كان شكّك معتبراً ويجب الاعتناء به.

    نعم هناك اختلاف بسيط بين الشيخ والمحقق العراقي في المقام وهو أنّ الشيخ يرى أنّ المراد بالتجاوز في الوضوء هو التجاوز عن جميع أفعال الوضوء، وذلك بقرينة أنّ مجموع الوضوء عنده يعتبر عملاً واحداً ولم يلاحظ فيه الأجزاء على نحو الاستقلالية، أمّا العراقي فإنه يتمسّك على كلامه بقرينة الإجماع.

    وبهذا البيان لكلام الشيخ الأنصاري والمحقق العراقي يمكن أن يجاب عن إشكالات عديدة:

    الأوّل: أنّه كيف يمكن أن يُقيّد المصداق مع إبقاء الكبرى الواردة في الرواية على إطلاقها، فيما لو ذُكر المصداق لكبرى كلّيّة فإنّ المصداق المذكور في هذه الرواية هو التجاوز عن الوضوء المقيّد بالتجاوز الخاصّ وهو التجاوز عن


    1 . فرائد الأصول337:3.

    2 . نهاية الأفكار ج4قسم2ص50-51.

  • ۱۵۴

    مجموع أفعال الوضوء مع أنّ الكبرى تبيّن مطلق التجاوز الشامل للتجاوز عن الجزء والتجاوز عن الكلّ؟

    أجاب المحقق العراقي عن هذا الإشكال بأنّه لا مانع من تقييد المصداق مع إبقاء الكبرى على إطلاقها وقد وردت أمثال ذلك في موارد من الفقه منها آية النبأ (إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)(1) حيث يدلّ مفهومها على عدم وجوب التبيّن فيما لو جاء العادل بنبأ.

    والمستفاد من هذا المفهوم الذي هو كبرى كلّية أنّ خبر العادل حجة. بينما إنّ مورد الآية ومصداقها هو الإخبار في الموضوعات الخارجية لا في الأحكام مع أنّ الثابت من خلال الأدلّة التي بين أيدينا عدم كفاية خبر العادل الواحد في الموضوعات الخارجية بل لابدّ من وجود شاهدين عادلين.

    وعليه يجب تقييد مورد الآية في الموضوعات الخارجية بانضمام عادل آخر ليتمّ قبول خبر العادل مع أنّ الكبرى باقية على إطلاقها ـ وهكذا الحال فيما نحن فيه فإنّ الكبرى أعني قوله(ع): (إنّما الشكّ في شيءٍ لم تجزه).

    باقية على إطلاقها بينما أنّ موردها وهو الوضوء قد قُيّد بمجموع الوضوء، وبهذا البيان ينحل إشكال خروج المورد من الكبرى الكلّيّة(2).

    كما ينحلّ إشكال التهافت والتعارض بين موثقة ابن أبي يعفور وصحيحة زرارة، وقد سبق بيان ذلك آنفاً.


    1 . سورة الحجرات: الآية6.

    2 . وهذا نصّّ عبارة المحقق العراقي في نهاية الأفكار: (ولا محذور في الالتزام بهذا المقدار فإنّ تقييد المورد مع إطلاق الكبرى غير عزيز نظير تقييد مورد مفهوم آية النبأ المفروض كونه في الموضوعات الخارجية بصورة انضمام خبر عدلٍ آخر مع إبقاء اشتراط كبرى قبول الخبر الواحد يكون المخبر عادلاً على إطلاقه لصورة عدم ضمّ خبر عدلٍ آخر إليه)ج4قسم2ص50.

  • ۱۵۵

    وبهذا الجواب ينحلّ عند المحقق العراقي إشكال ثالث أيضاً وهو أنّ بين منطوق صدر الموثّقة ومفهوم ذيلها تعارضاً حيث يدلّ منطوق قوله: (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء وقد دخلت في غيره) على عدم الاعتناء بالشك فيما لو خرج المكلّف من جزء ودخل في جزء آخر وشك في صحّة ذلك الجزء السابق قبل الفراغ من العمل كلّه، مع أنّ مفهوم قوله(ع): (إنّما الشكّ في شيءٍ لم تجزه) هو وجوب الاعتناء بالشك فيما لو لم يفرغ المكلّف من العمل، وعليه يحصل التعارض بين منطوق هذه الموثقة ومفهومها فيما لو شك قبل الفراغ من العمل في صحّة الجزء لا في أصل وجود الجزء.

    الإشكالات على الوجه الخامس

    للجمع بين صحيحة زرارة وموثقة ابن أبي يعفور المذكور في كلمات الشيخ الأنصاري والمحقق العراقي:

    الإشكال الأوّل: إنّ لفظ الوضوء في موثقة ابن أبي يعفور أقرب من لفظ الشيء الوارد فيها والأقرب يمنع الأبعد إلاّ أنّ الإمام(ع) في هذه الرواية إنمّا هو في مقام بيان حكم الشيء لا بيان حكم نفس الوضوء، وهذا أقوى من قرينة الأقربية لإرجاع الضمير إلى نفس الشيء.

    وبتعبير أوضح فإنّ كون الإمام في مقام بيان حكم ما شُكّ في صحّته قرينة أقوى من قرينة الأقربية.

    الإشكال الثاني إنّما يرد على كلام المحقّق العراقي حيث قال: بأن تقييد المورد والمصداق مع بقاء الكبرى على إطلاقها أمر شائع وكثير فإنّ هذا الادّعاء منه مجرّد دعوى لا دليل عليها ولا صحّة لها.

    والإنصاف قلة وقوع ذلك، مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا كثرته إلاّ أنّ وقوع ذلك

  • ۱۵۶

    فيما لو كان المولى في مقام البيان أمر مستهجن وقبيح ويستنكف العرف أن يكون المورد المبيّن مقيّداً بينما تكون الكبرى الكلّيّة غير مقيدة وهذا نظير ما إذا قال المولى: (أكرم زيداً العالم) ثمّ يقول: (يجب إكرام كلّ عالم) ثمّ يشترط في المصداق الذي هو إكرام زيد خصوصية العدالة بينما لا وجود لهذه الخصوصية في الكبرى، فإنّ العرف لا يقبل ذلك.

    الإشكال الثالث: هو أنّ قياس ما نحن فيه بمفهوم آية النبأ قياس مع الفارق إذ مفهوم آية النبأ أجنبي عن مسألة البيّنة والشهادة، بل مفهومها أنّ خبر غير الفاسق واجب القبول، أمّا ضميمة خبر عادل آخر في باب البيّنة فليست من جهة أنّ حجيّة خبر العادل مقيّدة بانضمام خبر عادل آخر بل لأنّ الأدلّة في باب الشهادة تدلّ على عدم كفاية إخبار العادل الواحد ولابدّ من شهادة عادلين اثنين أي أنّ خبر العادل حجة في نفسه إلاّ أنّ الشهادة تحتاج إلى عادلين ولا يكفي فيها العادل الواحد، وعلى هذا فالظاهر أنّ القياس في كلام المحقق العراقي في غير محلّه، لأنّه قياس مع الفارق، وبالجملة فوجه الجمع المذكور في كلمات الشيخ الأنصاري والمحقق الأنصاري غير صحيح.

    الوجه السادس: للجمع بين الصحيحة والوثقة: هو أنّ المراد بالشك في موثقة ابن أبي يعفور في قوله(ع): (إنّما الشكّ إذا كنت في شيءٍ لم تجزه) هو الشكّ في الصحة، والمراد من (شيءٍ) هو مجموع العمل، وعليه فيكون الإمام(ع) في ذيل الرواية في صدد بيان حكم الشكّ في صحة مجموع العمل بعد الفراغ منه فيكون هذا قرينة على رجوع الضمير في (غيره) إلى الوضوء، وبالتالي تكون الرواية دالة على قاعدة الفراغ لا على قاعدة التجاوز ويكون مضمونها أنّك إذا شككت في جزءٍ من أجزاء الوضوء وأنت قد دخلت في غير الوضوء فلا تعتن

  • ۱۵۷

    بشكك وبهذا يتمّ التوفيق بين هذه الموثقة وبين صحيحة زرارة.

    الإشكال الوارد على هذا الوجه هو أن الشكّ في شيءٍ ظاهر أولاً وبالذات إلى الشكّ في وجود ذلك الشيء لا الشكّ في صحته هذا مضافاً إلى أنّ استعمال لفظة من للبيان إنما هو على خلاف الأصل حيث إنّ الأصل الأوّلي في معنى من هو التبعيض.

    الوجه السابع للجمع بين الموثقة والصحيحة أن يقال بأنّ المراد من الشكّ في الموثقة هو الشكّ بعد الفراغ من العمل، لكنّه في جزءٍ من أجزائه.

    وبعبارة أخرى يكون مفاد الرواية مفاد كان التامّة وعليه فإنّ صدر الرواية ظاهر في أنّ للشيء في قوله(ع): (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء وقد دخلت في غيره) محلاً قد تجاوز المكلّف عنه ثمّ شك فيه بعد تجاوز محلّه لا أنّه قد شكّ بعد الانتهاء من كلّ العمل.

    والإشكال على هذا الوجه أيضاً أنّه خلاف الظاهر.

    المختار في الجمع بين الموثّقة وصحيحة زرارة:

    والذي نختاره هو أن ذيل الموثقة (إنما الشكّ إذا كنت في شيءٍ لم تجزه) كبرى كلّيّة تبيّن قاعدة التجاوز أمّا صدر الرواية (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيءٍ) فلابدّ من التصرف فيه ـ بقرينة الإجماع ـ بأن نلتزم أنّ مجموع أفعال الوضوء يُعتبر عملاً واحداً ولم يلاحظ الشارع أجزاءها على نحو الاستقلال لكن لمّا سبق وأنْ بيّنا بأنّ الإجماع لا يمكن أن يصبح دليلاً على التصرف في مدلول الرواية الاستعمالي فلابدّ من التفكيك في الحجّية بأن يُطرح صدر الرواية لمخالفته مع الإجماع فتثبت الحجية لذيل الرواية المفيد لقاعدة التجاوز ويؤخذ به. هذا غاية ما يمكن بيانه فيما يتعلق بالموثقة.

  • ۱۵۸

    نعم قد يقال بأنّ هذا الإجماع يحتمل أن يكون مدركياً فلا يمكن التمسّك به ولا يجوز الاستناد إليه لكنّنا نقول بأنّ صدر الرواية لابدّ من طرحه لإعراض المشهور عنه. فإن قيل: إنّ إعراض المشهور إنّما نشأ من صحيحة زرارة والمشهور باستناده إليها قد أعرض عن صدر الموثقة فلا فائدة من هذا الإعراض.

    قلنا: فعلى هذا كلّه تصبح الموثقة مجملة ولا يمكن الاستناد إليها ولا بد من التمسّك بالصحيحة لأنّ المجمل لا يقاوم المبيّن ولا يعارضه.

    بحث حول جريان قاعدة التجاوز في الغُسل والتيمّم:

    اختلف الفقهاء في إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز أو أنّهما لا يُلحقان به فتجري فيهما قاعدة التجاوز.

    فقد صرّح الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة(1) بأنّ المشهور إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء وعليه فلا تجري قاعدة التجاوز فيهما كما لا تجري في الوضوء.

    أمّا كبار المعاصرين أمثال الإمام الخميني(ره)(2) والمحقق الخوئي(ره)(3) فقد ذهبوا إلى عدم إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء فتجري قاعدة التجاوز فيهما وعليه فلو شك المكلّف أثناء الغُسل حين غَسل الطرف الأيمن من جسمه في أنّه هل غسل رأسه وعنقه أولا؟ جرت في حقّه قاعدة التجاوز وحُكِمَ بأنّه قد غسلهما، وهكذا الحال في التيمّم.

    نعم لا يمكن إجراء قاعدة التجاوز هنا على مذهب من لا يرى الترتيب واجباً


    1 . ج2 ص473 وهذه عبارته: (فإلحاق الغسل بالوضوء في حكم المذكور مع اختصاص الصحيحة بالوضوء وعدم تنقيح المناط وعدم العلم بالإجماع يحتاج إلى دليل وإن كانت الشهرة محقّقة).

    2 . الاستصحاب، ص329.

    3 . كتاب الطهارة252:8، ومصباح الأصول290:3.

  • ۱۵۹

    بين غَسْل الطرف الأيمن والطرف الأيسر كما ذهب إليه بعض الأعاظم مثل المحقق الخوئي(ره)(1) فعلى مبنى هؤلاء الأعاظم لو شك المكلّف أثناء غَسل الطرف الأيسر من الجسم في أنّه هل غسل طرفه الأيمن أولا؟ وجب عليه أن يعيد غسل الطرف الأيمن لعدم تحقق التجاوز عن المحل حينئذٍ.

    هذا كلّه بالنظر إلى الأقوال.

    أمّا بالنسبة إلى دليل المسألة وأنّ الدليل ماذا يقتضي؟ فإنّ ما يدلّ على عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء أمران أحدهما الإجماع، والآخر صحيحة زرارة ولا شك في اختصاص مورد هذين الدليلين بالوضوء ولا وجه فيهما لإلحاق الغسل والتيمم بباب الوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز.

    وبعبارة أخرى فإنّ إلغاء الخصوصية في التعبّديات أمر مشكل جدّاً ولا وجه له في هذا البحث كما أنّ تنقيح المناط هنا غير ممكن لعدم إحراز وحدة المناط في الوضوء والمناط في الغسل والتيمّم فإنّ اختلاف الأحكام والخصوصيات بين الوضوء من جهة والغسل والتيمم من جهة أخرى دليل على عدم اليقين بتنقيح المناط هنا.

    مع ذلك كلّه فإنّ هناك دليلين على الإلحاق لابد من دراستهما والبحث حولهما.

    الدليل الأوّل المختصّ بالتيمّم هو أنّ التيمّم بدل الوضوء له عنوان البدلية ولا استقلالية له والبدليّة تقتضي عدم جريان قاعدة التجاوز في البدل (التيمم) كما لم تجز في المبدل منه (الوضوء):

    ويرد على هذا الدليل إشكالان:

    الأوّل أنّه لا دليل يدل على أنّ التيمم لمّا كان بدلاً عن الوضوء فلابدّ من أنْ


    1 . كتاب الطهارة468:5.

  • ۱۶۰

    يتصف بجميع أحكام الوضوء بل البدلية معناها أنّ التيمم كالوضوء في أنّه مبيح للدخول في الصلاة فالتيمّم يحمل عنوان البدلية عن الوضوء في هذا المقدار من الإباحة، ومن هنا تختلف أحكام التيمم عن أحكام الوضوء.

    الإشكال الثاني: هو ما ذكره بعضهم على نحو الاحتمال من أنّ التيمّم كالوضوء فلا تجري فيه قاعدة التجاوز أمّا الغسل فتجري فيه تلك القاعدة. وقد يُتساءل هنا على هذا المبنى في التيمم بدل الغسل حيث لا يمكن القول بالتفصيل بأن يقال: لا تجري قاعدة التجاوز في التيمم بدل الوضوء بينما تجري في التيمم بدل الغسل لأنّ التيمّم فعل واحد ولا يجوز فيه التفصيل.

    الدليل الثاني: عامّ وهو ما ذكره واستند إليه الشيخ الأنصاري فإنّه ذكر لإثبات أنّ قاعدة التجاوز لا تجري في الوضوء. ذكر بأن الشارع إنّما لاحظ جميع أفعال الوضوء فعلاً واحداً ولم يلاحظها على نحو الاستقلال لأنّ الوضوء له أثر واحد يسمّى بالطهارة ومع وحدة الأثر فإنّ المؤثّر واحد وهذا كلّه جارٍ في الغسل والتيمم أيضاً إذ لهما أثر واحد هو الطهارة فيكون الشارع قد لاحظ كلّاً منهما عملاً واحداً ولا تجري قاعدة التجاوز في كلّ ما اعتبره الشارع شيئاً واحداً.

    هذا وقد أورد المحقق السيد الخوئي(ره) على هذا الدليل إشكالين:

    الإشكال الأوّل:

    إنّ متعلّق التكلّيف في الوضوء على ما يستفاد من ظاهر الآيات والروايات في باب الوضوء هو أفعال الوضوء من الغسلات والمسحات لا الطهارة.

    وبعبارة أخرى فإنّ المأمور به في باب الوضوء نفس الغسلات والمسحات لا


    1 . مصباح الأصول289:3.

۲۲,۰۷۹ الزيارة