pic
pic

الدرس المائة وستة وأربعون

الجلسة 146
  • بتاريخ 29 شوال 1432
خلاصات الملاحظات

خلاصة البحث السابق: ذكرنا أنّ العلماء أوردوا تعاريف مختلفة في تعريف العدالة، حيث وقفنا على تعريفين، فقد قال البعض: إنّ العدالة تعني الإسلام وعدم ظهور الفسق، وقال البعض الآخر: العدالة هي بمعنى حسن الظاهر، والفرق بينهما، أنّ الأول يتطلب أن يكون أكثر الناس والمسلمين عدولاً ويكفي عدم وجود الفسق الظاهر فلا ضرورة من احراز المعاشرة، والثاني عكس الأول يحتاج إلى حسن الظاهر وضرورة المعاشرة، يعني يجب على الإنسان أن يحرز ظاهر صلاح الشخص العادل وهو الاتيان بالواجبات وترك المحرمات.


الدرس المائة وستة وأربعون

خلاصة البحث السابق: ذكرنا أنّ العلماء أوردوا تعاريف مختلفة في تعريف العدالة، حيث وقفنا على تعريفين، فقد قال البعض: إنّ العدالة تعني الإسلام وعدم ظهور الفسق، وقال البعض الآخر: العدالة هي بمعنى حسن الظاهر، والفرق بينهما، أنّ الأول يتطلب أن يكون أكثر الناس والمسلمين عدولاً ويكفي عدم وجود الفسق الظاهر فلا ضرورة من احراز المعاشرة، والثاني عكس الأول يحتاج إلى حسن الظاهر وضرورة المعاشرة، يعني يجب على الإنسان أن يحرز ظاهر صلاح الشخص العادل وهو الاتيان بالواجبات وترك المحرمات.

قال السيد الخوئي (قدس سره) : ليس هذان التعريفان للعدالة، بل إنّهما طريقان إليها، أو علامتان لها، وذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) هذا التعبير في رسالته في أخر المكاسب من الطبعة القديمة، أو في الرسائل الفقهية للشيخ في مجموعة عدّة رسائل منها في

صفحه 541

العدالة في الجزء 23 الصحفة 8 حيث قال: إنّ هذين التعريفين طريق إلى العدالة وليسا تعريفاً للعدالة، ثم استشهد بكلمات جماعة من الفقهاء إذ قالوا: بهما تثبت العدالة، يعني بعدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر.

قال المرحوم الشيخ المفيد (قدس سره) في كتابه (المقنعة) : «العدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله»، يعني أنّ ملكة العدالة لدى الشخص تثبت بأمرين، الأول، كونه معروفاً بالدين والإسلام، والثاني، الورع عن محارم الله.

قال الشيخ الأنصاري (قدس سره) في رسالته (العدالة) تعقيباً على كلام الشيخ المفيد (قدس سره) : يظهر من كلام الشيخ المفيد الاستقامة الفعلية والعملية، يعني من كان معروفاً بالدين يعني مشهوراً بالدين ومشهوراً بالورع عن المحارم، فهذا أولاً يتطلب الاستقامة الفعلية، وثانياً: أن تكون الاستقامة الفعلية عن ملكة، فإذا لم تكن له ملكة ولم يرتكب الكبيرة، على كل حال يريد الشيخ الانصاري (قدس سره) القول: إنّ كلام الشيخ لا يدلّ على عدالة هذا الإنسان.

ملاحظة: لقد استفاد الشيخ الأنصاري من كلام الشيخ المفيد الاستقامة الفعلية الناشئة عن الملكة، هل يمكن استفادة الملكة من كلام الشيخ المفيد، يعني عندما يقول الشيخ المفيد (قدس سره) : «العدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله»، والورع صفة نفسانية لا صفة خارجية، وإن كان له بروز خارجي، ولكنه ليس صفة خارجية محضة، لأنّ الورع جذوره في نفس الإنسان وكذا في العرف يقال للشخص ورع عندما تكون له حالة نفسية خاصة يمنعه من المعصية، فعليه يمكن الاستفادة من كلام الشيخ المفيد بخصوص الملكة بصورة واضحة، وذكرت هذه الملاحظة تنبيهاً على ما يأتي من قول البعض في تعريف العدالة بمكلة نفسانية ظهرت في زمن العلاّمة ثم الفقهاء الذين جاءوا بعده ولم يكن للعلاّمة تعريف للعدالة بهذا المعنى، نعم، وهذا ما وصلنا إلى أنّ تعبير الملكة النفسانية لم يكن قبل العلاّمة ولكن يستفاد من تعبير الشيخ المفيد (قدس سره) بخصوص الملكة.

صفحه 542

وهناك تعبير عن الشيخ الطوسي في كتاب «المبسوط(1))، حيث قال: «العدالة في الشريعة هو من كان عادلاً في دينه، عادلاً في مروءته، عادلاً في أحكامه ـ قسم الشيخ العدالة إلى ثلاثة فروع، العدالة في الدين، والعدالة في المروّة، والعدالة في الأحكام، ثم شرح معنى هذه الفروع الثلاثة ـ وقال: العدل في الدين أن يكون مسلماً ولا يعرف منه شيء من أسباب الفسق، والعدل في المروّة أن يكون مجتنباً للأمور التي تسقط المروّة ـ تسقط هيبة الإيمان عن الإنسان ـ مثل الأكل في الطريق، لبس الثياب الملونة وثياب النساء، والعدل في الأحكام أن يكون بالغاً عاقلاً عندنا وعندهم ـ أهل السنة ـ أن يكون حراً ـ الحرية شرط عند أهل السنة دون الشيعة».

يجب الالتفات والتأمل جيداً في عبارة الشيخ حيث قسّم العدالة إلى هذه الفروع الثلاثة والحال أنّ للعدالة حقيقة واحدة في عرف اللغة، عبارة عن الاستقامة واستقامة كل شيء بحسبه، الاستقامة في الدين ثبات الإيمان ورسوخه في الإنسان، وأن لا يكون الناس كما تقول الآية: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض...) (2)، ثم اعتبر الاستقامة في الدين أمراً عملياً حيث قال: «لا يعرف شيء من أسباب الفسق»، ولذا يستفاد من تعبير الشيخ الطوسي والشيخ المفيد (قدس سرهما) أنّ من مقومات العدالة الدين والإسلام، فإذا وجد في عقيدة إنسان انحراف أو خلل لا يعتبر عادلاً، وما ذكره من العدل في الأحكام جعل اصطلاحي حيث قال: «أن يكون عندنا بالغاً»، وهذا التعبير ناظر إلى منطلقات أهل السنة، فليس في كتبهم ما يعبر عن هذا المعنى كي يقال إنّ العدالة في الأحكام لها معنى مخالف لمعنى العدالة في الدين وسائر الأمور الأخرى، مثلاً أن يقال: من هو المكلّف العادل الذي يمكن جعل الأحكام له؟ فيقال في الجواب: البالغ، إذن هذا

1 ـ المبسوط، ج 8، ص 217.
2 ـ سورة البقرة، الآية 85.

صفحه 543

اصطلاح غير متعارف بين الفقهاء.

وعرّف ابن ادريس العدالة في كتابه (السرائر(1)) حيث قال: أن لا يخل بواجب ولا يرتكب قبيحاً»، وهذا ما ذكرناه في المعنى الثاني من تعريف العدالة حيث قلنا، العدالة بمعنى اتيان الواجبات وترك المحرمات.

على أيّة حال يظهر من تعريف الشيخ الطوسي والشيخ المفيد (قدس سرهما) أنّ العدالة بمعنى الملكة، وما ذكره ابن ادريس يظهر منه عنوان الملكة بل له عنوان عملي، فالاخلال بالواجب أو الوهن فيه يعتبر من الفسق.

وذكر ابن حمزة مثله في كتابه (الوسيلة(2)) وقال: «العدالة في الدين اجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر»، ولم يذكر ابن حمزة الإخلال بالواجب، والإتيان بالواجبات، فجعل الملاك عدم ارتكاب المعاصي والإصرار على الصغائر، إذا كان الإنسان لا يأتي بالواجبات ولا يرتكب الكبائر مثل الكذب والغيبة والتهمة والسرقة ولا يصرّ على الصغيرة فلا يطلق عليه فاسق، إلاّ أن يقال إنّ هناك دليلاً على أنّ ترك الصلاة من المحرمات، فمن جهة نثبت قاعدة اصولية أنّ الأمر بالشيء لا يدلّ على النهي عن ضده، يعني أنّ أمر المولى بالصلاة لا يدلّ على نهي عن ترك الصلاة، لأنّ ترك الصلاة حرام وهناك روايات مستفيضة تدلّ على استحقاق تارك الصلاة للعقاب، وبعبارة أخرى أنّ نفس ترك الصلاة والصوم والحج موجب للعقاب وله عنوان المعاصي الكبيرة.

تعبير آخر للعدالة عن المرحوم العلاّمة في كتبه (التحرير) و(المختلف) و(القواعد) وهو تعبير رائج في كتبنا الفقهية حيث صدر هذا التعبير في زمن العلاّمة (قدس سره) نفسه: حيث قال: «العدالة كيفية راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى والمروّة، وتحصيله بالامتناع عن الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر.

1 ـ السرائر، ج 2، ص 117.
2 ـ الوسيلة، ص230.

صفحه 544

أورد هذا التعبير المرحوم الشيخ الأنصاري في (رسالة العدالة) أيضاً دون أن يذكر كلمة الملكة، وقال: «العدالة في كلام الشارع الاستقامة»، يعني المعنى اللغوي، ثم ليس لنا في الشارع معنىً جديداً آخر للعدالة وقال: «والاستقامة المطلقة في نظر الشارع هو الاستقامة على جادة الشرع وعدم الميل عنها» يعني أن يعمل الإنسان على أن يجعل ميزان عمله الشريعة حيث قال الشارع واجب (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ، العمل به والالتزام به، وإذا قال الشارع حرام، الامتناع عنه والتناهي عنه، وكذا إذا قال الاستحباب والمكروه، والمخل حينئذ من أحل الحرام أو بالعكس فهذا مضر بالعدالة، فتعريف الشيخ الإنصاري له شمولية لجميع هذه الأطراف بالاستقامة على الجادة.

ثم جاء السيد الخوئي (قدس سره) وقدمّ تعريفاً أخراً أخذه من المرحوم الشيخ الأنصاري (قدس سره) مع اضافة بعد القيود

۳,۰۲۶ الزيارة

رأيك

رمز الامان
مطالب اكثر...
ساعد على توسيع الكلمات المفتاحية للدروس

اقترح كلمة مفتاحية لهذا الدرس
خلاصات الملاحظات

خلاصة البحث السابق: ذكرنا أنّ العلماء أوردوا تعاريف مختلفة في تعريف العدالة، حيث وقفنا على تعريفين، فقد قال البعض: إنّ العدالة تعني الإسلام وعدم ظهور الفسق، وقال البعض الآخر: العدالة هي بمعنى حسن الظاهر، والفرق بينهما، أنّ الأول يتطلب أن يكون أكثر الناس والمسلمين عدولاً ويكفي عدم وجود الفسق الظاهر فلا ضرورة من احراز المعاشرة، والثاني عكس الأول يحتاج إلى حسن الظاهر وضرورة المعاشرة، يعني يجب على الإنسان أن يحرز ظاهر صلاح الشخص العادل وهو الاتيان بالواجبات وترك المحرمات.