pic
pic
  • ۳۴۱

    وهكذا ترون كيف أنّ الوسواس مذموم وخاصّة الوساوس بالنيّة، لأنّه يحجب الإنسان من أصل العمل والعبادة ويبعده عن حقيقة هذه العبادة، فإذا شعر الإنسان بأدنى الوسواس في نفسه وذهنه، فيجب عليه أن يفكّر في التخلص منه حتما ومهما بذل من تعب ورياضة نفسيّة، ولا يتصوّر مثل هذا الاحتياط في العمل أنّه من التدين، فالشخص الذي يقطع صلاته مرّات عديدة بحجّة أنّه لم ينو للصّلاة، فإنّه مطيع للشيطان ولا يتصوّر أنّ ذلك من التدين والتقدس وأنّه سيحظى بثواب أكثر من الله.

  • ۳۴۲

    106ـ الإخلاص وقصد القربة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إحدى النقاط التي تطرح في مورد النيّة، أنّ المصلّي يجب أن يأتي بصلاته وعمله العبادي بإخلاص وقربة إلى الله‌ تعالى، يعني أنّه يقصد عمله هذا التقرّب إلى الله‌ تبارك وتعالى.

    وبعبارة أخرى أنّه يصلّي بإخلاص كامل لله‌ تعالى، وطبعا تعلمون قصد القربة تختلف عن مسألة النيّة في أصل الصّلاة، فلو أنّه كان ينوي مع نيّة الصّلاة غير قصد التقرّب إلى الله‌ فإنّ هذه الصّلاة باطلة، وبالنسبة للإخلاص فهنا مسائل بحاجة إلى التأمل فيها والدقّة، ماذا يعني الإخلاص؟ وماذا يعني التقرّب إلى الله؟ وما هي مراتب الإخلاص لله‌ تعالى؟ ذكر أولياء الله‌ والعرفاء الكبار وعلى رأسهم الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه ثمان مراتب للإخلاص، وبعد أن نعلم بمراتب الإخلاص تأتي النوبة إلى تحقّق هذه المراتب العالية في أعمالنا وعباداتنا وبخاصة مرتبة كمال الآخلاص.

    إنّ حقيقة الإخلاص عبارة عن أداء العمل بعيدا عن أي شائبة وهدف باعث

  • ۳۴۳

    غير امتثال أمر الله‌ تعالى وبأن يأتي الإنسان بهذا العمل لله‌ تعالى فقط لا بقصد الرياء والتظاهر أمام الآخرين، وأن يرونه يصلّي صلاته في أوّل الوقت ولكسب رضاهم والفات نظر المخلوقين، بل لا يكون قصده بدافع العجب والغرور، فلا ينبغي أن يصلّي المؤمن صلاته ويقول لنفسه أنني اُصلي أوّل الوقت أو اُصلي جماعة ويحدّث نفسه من موقع العجب والرضا عن نفسه، فهذه الأمور تتنافى مع الإخلاص، ومعنى الإخلاص هو أنّ المصلّي لا يفكّر بشيء غير الله‌ تعالى.

    يقول القرآن الكريم: «أَلاَ لله‌ الدِّينُ الْخَالِصُ...»[1]، ونستوحي من هذه الآية الشريفة أنّ الدين الخالص هو ما يكون لله‌ تعالى، أي الدين الذي لا يكون فيه شائبة غير اللهي، الدين الذي تكون ماهيّته وخصوصيّاته من البداية إلى النهاية جميعا لله‌، الدين الذي لا يوجد فيه شائبة شيطانيّة وغير إلهيّة، ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ الله‌ تبارك وتعالى لا يقبل إلاّ ما كان خالصا له ويقصد به وجهه فقط، فالدين الخالص والقلب السليم، هو القلب الخالص: «يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله‌ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»[2]، وقد ورد في بعض الروايات أنّ القلب السليم يعني القلب الذي لا يوجد فيه شيء غير الله‌ تعالى، فإذا أردنا أن نصلّي وتكون صلاتنا مقبولة ونافعة لنا في عالم الدنيا والآخرة، فيجب أن تكون مقرونة بالإخلاص ولا توجد فيها أي شائبة غير الله‌ تعالى.

    ويستفاد من الآية الشريفة: «أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ...»، الدين الصحيح هو الدين الخالص، فلو لم يكن الدين خالصا وكانت فيه أذكار وأهداف غير إلهيّة فمثل هذا الدنيا لا يتعلّق بالله‌ تعالى ولا يكون مقبولاً عنده.


    1. سورة الزمر، الآية 3.

    2. سورة الشعراء، الآية 88 و 89.

  • ۳۴۴

    107ـ الإخلاص، أن يكون العمل قابلاً للعرض على الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يستفاد من آيات القرآن الكريم فيما يتّصل بحقيقة الإخلاص أنّ الله‌ تبارك وتعالى يقبل الدين الخالص، وأساسا إذا لم يكن العمل خالصا لله‌ فإنّه غير قابل للعرض بين يدي الله‌ تبارك وتعالى، لا نقول إنّ الله‌ لا يتقبّل هذا العمل، لأنّ مثل هذا العمل أساسا غير قابل للعرض بمحضر الباري تبارك وتعالى.

    والإنسان المصلّي أو أي شخص أدّى عبادة معيّنة يجب أن يلتفت أنّه لو لم يكن عمله خالصا لله‌ فإن هذا العمل من شأنه أن يتبدل إلى ظلمة وبالتالي لا يمكن عرضه على الباري تبارك وتعالى الذي هو نور.

    يقول القرآن الكريم: إنّ الدين الخالص لله‌، يعني إذا كان الدين يحتوي على أفكار نفسانيّة وشيطانيّة وغير إلهيّة فإنّه لا يحقق ارتباطا مع الله‌ تبارك وتعالى، والعمل الخالص يكون هذه الصورة، وبعبارة أخرى، إذا لم يتمتع الشخص بالإخلاص في صلاته فلا يستطيع القول بأنّني صلّيت، لأنّ عمله لا يتّصف بعنوان الصّلاة ليمكن عرضه على الله‌ تبارك وتعالى، يقول القرآن الكريم في الآية 5 من

  • ۳۴۵

    سورة البيّنة: «وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا الله‌ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»، فقد أراد الله‌ تبارك وتعالى من اليهود والنصارى أن يتركوا الشرك ويعبدوا الله‌ فقط، فلا موجود آخر يستحق العبادة سوى الله‌ تعالى، ولذلك يجب أن تنطلق العبادة من موقع الإخلاص، وهذا الأمر لا يختصّ بأهل الكتاب، فإنّ الله‌ تبارك وتعالى طلب من جميع البشر عبادته بإخلاص.

    ونقرأ في سورة الشورى الآية 20 قوله تعالى: «... وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤِهِ مِنْهَاوَمَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ...».

    وجاء في الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «لِكُلِّ اُمرءٍ مَا نَوى»[1].

    «وَمَنْ كَانَ هِجرَتُهُ إِلى الله‌ وَرَسُولِهِ فَهِجرَتُهُ إِلى الله‌ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَ هِجرَتُهُ إِلى الدُّنيا يُصِيبها أَو امْرَأَةٍ يُنكِحُها فَهِجرَتُهُ إِلى مَا هاجَرَ إِليهِ»، كالمجاهد الذي يبتغي من جهاده الدنيا والسلطة وتحقيق الميول النفسانيّة، فمثل هذا الشخص لا يكون عمله وجهاده مقبولاً عند الله.

    وهذا الحديث الشريف يتضمّن معاني واضحة جدّا، فالصّلاة تعتبر أحد مصاديق الهجرة إلى الله‌ وإلى رسوله، فالصّلاة هي حركة نحو الله‌ وورودها إلى محضر القدس الإلهي، فهل نحن واقعا نفهم هذا المعنى حين صلاتنا أو قبل الصّلاة؟ وأننا نريد بهذا العمل الهجرة إلى الله‌ تعالى؟ هل نستطيع أن نقول لأنفسنا بعد الصّلاة نحن هاجرنا إلى لله‌؟ هل كنّا نعيش حالة الإخلاص في صلاتنا؟ ومعنى الإخلاص هو أنّ عملنا يمثّل هجرة وحركة نحو الله‌ تعالى، أمّا لو كان عملنا بدوافع غير إلهيّة فإنّه خارج عن دائرة الإخلاص، فلو أنّ الإنسان تأمّل في هذا الحديث الشريف فسوف يستوحي منه نقاط أخرى، والصّلاة هي أحد المصاديق العلميّة للهجرة الواقعيّة، تلك الهجرة التي يقبلها الله‌ تعالى ويباركها،


    1. مستدر الوسائل، أبواب مقدّمة عبادات، الباب 5، ح 5.

  • ۳۴۶

    وقد ورد في بعض الآيات القرآنيّة الإشارة إلى هذه المسألة مثل: «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرا إِلَى الله‌ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله...»[1]، فالصّلاة عبارة عن هجرة وحركة نحو الله، ومن لم تكن حركته نحو الله‌ فلا تسمى هجرة، ولا توجد فيها حقيقة الهجرة، والإخلاص في الصّلاة هو أن نكون مهاجرين إلى الله‌ ونعيش أجواء الهجرة إلى الله‌ في صلاتنا إن شاء الله.


    1. سورة النساء، الآية 100.

  • ۳۴۷

    108ـ الإخلاص، مصداق الهجرة نحو الحقّ


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول تعالى في الآية الشريفة: «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرا إِلَى الله‌ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله...»[1]، فلو أنّه مات في هذا الطريق فإنّه سيحصل على أجره وثوابه من الله‌ (كناية عن كثرة هذا الأجر والثواب) والمقصود هنا ليس الهجرة الظاهريّة فقط التي ينتقل بها الإنسان من مكان إلى آخر ببدنه، فلو أنّ شخصا ترك محلّ سكانه أو محلّ عمله بسبب وجود حالات الفسق والفجور، فتركه للسكنى في محلّ آخر يعيش فيه أهل الإيمان والعبادة، فهذه هجرة ظاهريّة، أمّا الهجرة بالمعنى الدقيق لها أوالهجرة الباطنيّة «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ...»، فالمقصود من هذا البيت ليس هو بيت سكناه ومحلّته المكانيّة الظاهريّة، بل المقصود من هذا البيت هو بيت النفس، فالشخص الذي يترك أهواءه النفسانيّة وتمنياته الشيطانيّة ونوازعه الذاتيّة ويهاجر إلى الله‌ ورسوله بأن يترك تلك الآمال والأهواء النفسانيّة يتحرّك في خطّ الطاعة وامتثال ما يريده الله‌ منه، فهنا تكون


    1. سورة النساء، الآية 100.

  • ۳۴۸

    حركته نحو الباري تعالى ويكون سفره هذا سفرا باطنيّا، فالهجرة بالمعنى الأوّل هي السفر الظاهري، ولكن طبقا لهذا المعنى الثاني فهي هجرة معنويّة ومبدأ هذا السفر والهجرة هو بيت القلب والنفس وترك الميول النفسانيّة والآمال والأهواء والأنانيّة وتكون غايته وهدفه الوصول إلى حضرة الحقّ تبارك وتعالى.

    إذا هاجر الإنسان من بيت نفسه وترك نفسه جانبا، وعلى حدّ التعبير الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه وحشره مع أجداه الطاهرين في كتابه «آداب الصّلاة»[1]، إنّ الإنسان في هذه الهجرة الباطنيّة يترك «إِنيَّتَهُ ومنيّته» وأساسا لا يعرف شيئا يدعى بالأنا والنفس، حتّى فيما يتّصل بحركته المعنويّة إلى الله‌ تعالى، لا يقول إنني قريب الوصول إلى مقامات معنويّة، فهذه الأنانيّة لا ينبغي أن تكون في مسيرة الإنسان السالك في خطّ المعنويّة، والشخص الذي يريد أن يكون ذائبا في الله‌ تبارك وتعالى فلا ينبغي أن تكون فيه حالة الأنا ولا يعتبر لها قيمة، لأنّ هذه الأنا هي التي تجعل الإنسان في قفص الميول والأهواء النفسانيّة، وهذه الأنانيّة تتسبّب في أنّ هذا الشخص سوف يغادر نفسه في هذا السفر ليعود إلى نفسه مرّة أخرى لا إلى الله‌ تعالى، وكأنّه ينتقل في حركته من زاوية إلى زاوية أخرى في بيت نفسه ويسافر في باطن نفسه من جهة إلى أخرى، فهذا الشخص ليس مسافرا إلى الله، فمعنى المسافر إلى الله‌ والإخلاص في هذا السفر لله‌ تعالى هو أن يترك الإنسان جميع أموره الدنيويّة وهذه الجهات النفسانيّة.

    وعلى هذا الأساس فالإخلاص إنّما يتحقّق فيما لو كانت الهجرة إلى الله‌ واقعا، وأن يقوم الشخص بعمل يقصد به وجه الله‌ بعيدا عن أي شائبة من شوائب الأنانيّة والدوافع غير الإلهيّة.


    1. اُنظر، آداب الصّلاة، ص 162،

  • ۳۴۹

    109ـ الإخلاص، مانع من تسلط الشيطان


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ»[1]

    يجب على المصلّي الإخلاص في نيّته وأن يصلّي لله‌ فقط، وهذا الإخلاص من شأنه أن يقطع يد الشيطان عنه ولا يطمع فيه وفي عبادته، ولو أحاطت بالمصلّي الوساوس الشيطانيّة والأفكار غير الإلهيّة، والتصوّرات الماديّة والدنيويّة في صلاته، فهذا يعني أنّه يفتقد إلى الإخلاص في نيّته، ومن أجل تحصيل حالة الإخلاص واقعا وبالتالي نقطع طمع الشيطان فينا، لأنّه أقسم أن يغوي جميع الناس: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»، والعزّة مظهر قدرة الله‌ تعالى، وهذا القسم لغرض إظهار قدرة الشيطان نفسه بحيث يحلف بعزّة الله‌ تعالى، ممّا يوحي للناس بأنّني أستطيع أن أغوي جميع عبادك إلاّ المخلصين منهم.

    وقد وردت عدّة تأكيدات في هذه الآية الشريفة لغرض إيقاظ الإنسان إلى هذه الحقيقة، فالقسم، والفعل المضارع المقترن باللام، ونون التأكيد، وكلمة


    1. سورة ص، الآية 82 و 83.

  • ۳۵۰

    أجمعين، كلها تدلّ على التأكيد، يعني أنّ الشيطان لا يتركنا لحظة واحدة في سبيل العمل على إضلالنا ويسعى دوما في الوسوسة للإنسان ليل نهار، وفي أيّام الشباب والشيخوخة وفي جميع الحالات، فالإضلال هو عمل الشيطان، ولكن نفس هذا الشيطان ذكر استثناء لقسمه وعمله «إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ»، أي أنني أستطيع إغواء جميع الناس إلاّ فئة واحدة منهم فإنّني لا أستطيع إغوائهم ولا أتمكن من اصطيادهم في شباكي وهم عبادك المخلصون، فلو أنّ الإنسان في هذه الصلوات اليوميّة حقق حالة الإخلاص واقعا في نفسه وصار من عباد الله‌ المخلِصين والمخلَصين فإنّ الشيطان سيبتعد عنه وييأس من إغوائه ولا يستطيع إضلاله.

    إنّ الإخلاص في الصّلاة إلى هذه الدرجة من الأهميّة والتأثير ويجب علينا أن نستمد العون من الله‌ تعالى ليهبنا الإخلاص في النيّة لتكون أعمال وعبادتنا بقصد القربّة الكاملة.

۱۰۴,۲۱۱ بازدید