pic
pic
  • ۸۱

    «إِنَّ الله‌ لا يَنظُرُ إِلى صُوَرِكُم وَأَعمَالِكُم وَإِنَّما يَنظُر إِلى قُلُوبِكُم»[1]، ورغم أنّ تكليف الإنسان يكمن في الوصول إلى حقيقة وعمق الصّلاة وأسرارها من خلال سلوك طريق الظاهر، فلا أحد يمكنه أن يدعي الوصول إلى الحقائق من غير طريق الصّلاة، ولا يمكن أن يحقّق أي إنسان هذا الهدف بدون الصّلاة، فهذا ادعاء الجهلاء من الناس ولا يقوم على أساس متين، لأنّ الوصول إلى أسرار الصّلاة وهي عبادة لها أسرار خاصّة بها، لا يمكن الوصول إليها من طريق الآخر غير الصّلاة، ولكن بحسب هذه الرواية أنّ الله‌ تعالى ينظر في هذه الصّلاة إلى قلب المصلّي ونيّته.

    إنّ نظر الباري تعالى إلى قلب المؤمن يترتب عليه أن يكون قلب المصلّي مستعدا لتلقي بعض الأسرار وانكشافها له، ومن هذه الجهة يستحب للإنسان في حال الصّلاة أن ينظر إلى موضع السجدة من صلاته وينتبه إلى أنّه يقف في مقابل أعظم موجود في هذا العالم فينظر إلى موضع سجوده والمكان الذي يضع أفضل وأشرف قسم من بدنه وهو جبهته، وهذا معنى حضور القلب، ولو أنّ الإنسان استطاع إيجاد بعض هذه المراتب في نفسه وفهمها فسوف تنكشف له أسرارها، وما ذكره بعض أولياء الله‌ أنّه توجد في بعض مراتب حضور القلب من اللذّة والبهجة ما لا توجد في مراتب أخرى.

    وعلى هذا الأساس نؤكّد على هذه النقطة، وهي أنّ حضور القلب له مراتب متعدّدة، ولا ينحصر بعنوان ثابت وتوجّه إجمالي بأن يعلم الشخص أنّه واقف بين يدي الله‌ تعالى، وطبعا هذا المعنى لوحده يعدّ أمرا مهمّا جدّا، ولكن حقيقة حضور القلب لا تنحصر بهذا المقدار، بل هو أوّل قدم للمصلّي أن يعلم أنّه يقف بين يدي الله‌ القادر المطلق، إنّ هذا المعنى يعتبر أوّل وأقلّ مرتبة من مراتب حضور القلب، وهناك مراتب أخرى سوف نشير إليها لاحقا إن شاء الله.


    1. بحار الأنوار، ج 67، ص 248.

  • ۸۲

    23ـ الحضور الإجمالي: والاشتغال بحمد الله‌ وثنائه


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ».[1]

    ذكرنا أنّ حضور القلب في الصّلاة له مراتب عديدة وأنّ الإنسان المصلّي يجب عليه الالتفات إلى هذه المراتب، وطبعا فإنّ فهم وتحقّق بعض هذه المراتب ميسور لجميع الأفراد والبعض الآخر ليس ميسورا للجميع، وفهم بعضها يعتبر محالاً للكثير من الناس.

    ومن بين ثلاثة كتب معروفة تتحدّث فيما يخصّ أسرار الصّلاة وتكاليف المصلّين القلبيّة، كتاب «التنبيهات العلية» للشهيد الثاني رضوان الله‌ عليه، و«أسرار الصّلاة» للمرحوم الميرزا جواد الملكي التبريزي رضوان الله‌ عليه، و«سرّ الصّلاة» للإمام الخميني رضوان الله‌ عليه، وهذه الكتب الثلاثة تحدّثت عن هذا الموضوع بالذات، وأدقّ كتاب منها في بيان مراتب حضور القلب ما نراه في كلمات الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه، بالرغم من أننا عندما نطالع كتاب


    1. سورة الأنعام، الآية 79.

  • ۸۳

    «سرّ الصّلاة» للإمام الخميني، فسوف يتبيّن لنا بشكل واضح أنّ الإمام قدس‌سره في كلامه هذا ناظر إلى كتاب الشهيد الثاني قدس‌سره، ولكن العمق والدقّة في بيان مراتب حضور القلب في كلمات الإمام الراحل قدس‌سره لا توجد مثلها في كتاب الشهيد الثاني قدس‌سره، الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه ذكر ثمان مراحل لحضور القلب وفي المرحلة الثامنة يقول: «إنّ هذه المرحلة لها مراحل عدّة نعجز عن فهمها ودركها وبيانها، وسنشير نحن أيضا إلى هذه المراتب بحدود معينة».

    يقول الإمام الخميني قدس‌سره[1]: أوّل مرحلة من حضور القلب الحضور الإجمالي، للحصول على هذه المراتب ميسور لجميع الناس، فمعنى الحضور الإجمالي هو أنّ الإنسان يفهم قلبه ويعلم بأنّه يقف في مقام المدح والثناء للحقّ تبارك وتعالى، والمصلّي يعلم أنّه يقف في مقام التسبيح والتنزيه والتقديس وبيان صفات الباري تعالى وحمده، ولو أنّه لا يعلم كيف يكون حمده وتسبيحه، بل يعلم فقط أنّه في حال بيان صفات الله‌ وتسبيحه وتنزيهه، ولكنّه قد لا يلتفت إلى حقيقة هذا الوصف وبأي بيان وكلام، وهذا مثل الشاعر الذي يمدح شخصا كبيرا وجليلاً بحضور طفل، فهذا الطفل لا يعلم ما يقوله هذا الشاعر، ولكنّه يدرك أنّه يتحدّث عن مدح وتجليل هذا الشخص المحترم، وهكذا حال المصلّي وهذه أوّل مرتبة لحضور القلب، بأنّ يعلم المصلّي أنّه في مقام الثناء لله‌، وأي ثناء؟ أنّه كما أثنى الله‌ على نفسه وما ورد على لسان الخاصّين من أوليائه.

    والإمام رضوان الله‌ عليه يلفت النظر إلى نقطة مهمّة لا يتيسر فهمها على الأشخاص العاديين، وهو أنّ الشخص الذي يحمد الله‌ ويثني عليه يقول فيما بينه وبين الله: إلهي! أنا لست جديرا ولائقا للثناء عليك، بل أنا اُثني عليك كما أثنى عليك أولئك الأولياء في صلاتهم وعبادتهم، وأنا اُسبحك واُثني عليك بلسانهم،


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 17.

  • ۸۴

    هذا الثناء بلسان الأولياء بعيد عن أي شبهة الكذب والنفاق، فالإنسان إذا أراد أن يحمد الله‌ ويثني عليه من قِبل نفسه، بما أنّ قوله لا يتطابق مع عمله فسوف يرتكب الكذب والنفاق، ولكنّه عندما يحمد الله‌ ويثني عليه بلسان الأولياء فإنّ قوله يتطابق مع عمله.

    ونقرأ في الصّلاة عبارات وأذكار خاصّة من قبيل قولنا قبل الشروع بالصّلاة: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ»، فهل أنّ هذا الإنسان عندما يتكلّم بهذا الكلام صادق واقعا وأنّه يتوجّه فقط في هذه الحال إلى خالق السماوات والأرض أو أنّ وجهنا متوجّه نحو الدنيا حتّى عندما نقف للصّلاة فإننا نطلب من الله‌ تعالى حاجاتنا الدنيويّة، وعندما تكون عبارة «... وَجَّهْتُ وَجْهِي...»، خالية من الكذب والنفاق يجب علينا أن ننوي مثل هذه النيّة، أي كما أنّ أولياء الله‌ العظام مثل إبراهيم الخليل عليه‌السلام قال هذا الكلام وهذا الدعاء فأنا أيضا اُريد أن اُحقّق في نفسي هذا الدعاء، وعندما نصل إلى الآية «إِيَّاكَ نَعْبُدُ...»، وننظر إلى قلوبنا وباطننا فماذا نرى وماذا يوجد في نفوسنا من آلهة غير الله، إذن لا يمكن القول بأنّ هذه العبارة ذكرت من موقع الصدق.

    إذا أردنا أن ينطلق هذا الكلام من موقع الصدق والحقيقة، فيجب أن ينطلق من موقع كلام الأنبياء والأولياء وأنّهم هكذا حمدوا الله‌ وأثنوا عليه في محضرك المقدّس وقالوا: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ...»، فنحن أيضا نذكر هذا الكلام في الصورة.

    وينقل هذا الكلام الإمام رضوان الله‌ عليه في كتابه عن استاذه المرحوم شاه آبادي ـ قدّس سرّ ـ[1] وأنّه قال: إنّ الشخص الداعي يدعو بهذا الدعاء بلسان مصادره والقائل له، وهكذا الحال في غير الصّلاة فإنّ كلّ دعاء ندعو به ينبغي أن يكون بلسان ذلك الشخص الذي صدر منه هذا الدعاء، وبهذا المعنى سيكون


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 18.

  • ۸۵

    الدعاء أقرب للإجابة وأفضل ممّا يقول الداعي ويدعو بهذا الدعاء بلسان حاله، والسبب في أنّ الكثير من أدعيتنا لا تقع موقع الإجابة هو لأننا ندعو بلسان حالنا، ولكن إذا دعونا الله‌ تعالى بلسان الأشخاص الذين صدر منهم هذا الدعاء ووصل إلينا فإنّ هذا الدعاء سيكون أقرب للإجابة.

    إذن فاوّل مرتبة من مراتب حضور القلب هو الحضور الإجمالي الذي يكون ميسورا لجميع الأفراد، أي أننا نعلم بأننا نقف أمام الله‌ تبارك وتعالى بحالة الدعاء والثناء والتقديس والتسبيح.

  • ۸۶

    24ـ الالتفات إلى قبول الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الإمام الصادق عليه‌السلام: «وَالله‌ إِنَّهُ لَيأتِي عَلَى الرَّجُلِ خَمسُون سَنَةً وَمَا قَبِل الله‌ مِنْهُ صَلاةً وَاحِدَةً فَأي شَيءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذا...»[1].

    أسلفنا أنّ حضور القلب التام يؤدّي إلى معرفة الإنسان بحقيقة الصّلاة وأنّ نورانيّة العبادة تتوقف على حضور القلب، وكذلك قلنا إنّ حضور القلب له مراتب عدّة، وأوّل مرتبة لذلك هي مرتبة حضور القلب الإجمالي، يعني أن يعلم المصلّي إجمالاً بأنّه مشغول في صلاته في مناجاة الباري تعالى وحمده وثنائه ولو لم يعلم بالألفاظ و الكلمات التي يحمد الله‌ تعالى بها أو لم يلتفت إلى مفاهيم ومعاني الألفاظ التي يذكرها في القراءة والركوع والسجود، بل يعلم بها المقدار وهو أنّه مشغول بتكريم وتعظيم الباري تعالى وتسبيحه وحمده وتقديسه.

    وقبل بيان المراتب الأخرى لحضور القلب في الصّلاة نتبرك في كلامنا بذكر رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «وَالله‌ إِنَّهُ لَيأتِي عَلَى الرَّجُلِ خَمسُون سَنَةً وَمَا قَبِل الله


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 269.

  • ۸۷

    مِنْهُ صَلاةً وَاحِدَةً...»، فبالرغم من أنّ هذا الشخص قد أدّى تكليفه الشرعي ولا يؤاخذ يوم القيامة على ترك صلاته ولا يقال له لماذا لم تصلّ؟ ولكن مع ذلك فإنّ صلاته لا تقع مقبولة عند الله‌ تعالى، فهذه الصّلاة ليست ممّا يترتّب عليها الآثار والثمرات الإلهيّة المقررة، وهذه الصّلاة ليست تلك الصّلاة التي ينظر الباري تعالى للإنسان بنظر اللطف والرحمة ولذلك يقول الإمام عليه‌السلام: «فَأي شَيءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذا...»، وأي مصيبة أعظم وأشدّ من هذه الحالة؟ وهكذا ترون في كلام أهل البيت عليهم‌السلام السعادة والشقاء تدوران على ماذا؟ وقد جاء في الروايات أنّ الشخص يُوفّق للصّلاة في أوّل وقتها وبخاصّة صلاة الجماعة وبالأخصّ في المسجد فيكون من مصاديق الأشخاص السعداء.

    وأحد العوامل المهمّة في ثقافتنا لنيل السعادة التوفيق للصّلاة في أوّل وقتها وفي جماعة، ويقول الإمام الصادق عليه‌السلام في هذه الرواية أيضا أنّ الإنسان قد يمضي من عمره خمسين سنة وقد أدّى صلاته طوال هذه المدّة ولكنّ أيّا من صلاته لم تقع مورد قبول الباري تعالى وهو من أشقى الناس، فهل خلونا بأنفسنا في كلّ يوم وليلة لحظة واحدة لنرى أي مقدار من صلاتنا وقعت مورد القبول عند الله؟ هل نملك مثل هذا الحاجز بأن نتحمّل لدقائق معدودة محاسبة أنفسنا والتفكير في صلاتنا وركوعنا وسجودنا وقيامنا وقعودنا هل أنّها ارتفعت إلى السماء؟ وهل أنّها وقعت مورد قبول الباري تعالى؟ يقول الإمام عليه‌السلام إذا كان هذا الشخص بمثل هذه الحالة فهو شخص سعيد، ولكن لا سمح الله‌ إذا لم تقبل صلاته، أي أنّ عبادته ودعاءه وصلاته لم تترك أي أثر وبدون فائدة في ارتقائه المعنوي، فهذا يعني أعظم شقاء يعيشه هذا الشخص، ويتابع الإمام عليه‌السلام في هذه الرواية: «وَالله‌ إِنَّكُم لَتَعرِفُونَ مِنْ جِيرانِكُم وَأَصحَابِكُم مَنْ لَو كَانَ يُصلِّي لِبَعضِكُم مَا قَبِلَها مِنْهُ...»، أي لو أنّ أحدا من جيرانكم أو معارف سلّم عليكم بسلام مقترن

  • ۸۸

    بالاستخفاف فماذا يكون موقفكم منه؟ إذا كان سلامه عليكم من موقع الغرور والتكبر والأنانيّة، فهل تقبلون منه هذا السلام؟ ثمّ يقول عليه‌السلام: «اِنَّ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ لا يَقبَلُ إِلاّ الحَسَنَ فَكَيفَ يَقبَلُ مَا يُستَخَفُ بِهِ»، هل صلاة التي نصلّيها ونتحدّث فيها مع الله‌ تعالى ولكن فكرنا وذهننا في ذلك الوقت مشغول بالأمور المادّيّة والدنيويّة، وكيف ندبّر أمورنا ومعاملتنا لنربح أكثر، أو كيف نستطيع أن نحصل على المقام والموقف الفلاني، مثل هذه المعاملة مع الله‌ تعالى الذي يعلم بنيّتنا وسريرتنا، فإنّها لا تحمل في مضمونها سوى الاستخفاف به، نعوذ بالله‌ أن تكون مثل هذه الصّلاة تصغيرا لشأنه جلا وعلا، فعندما ننتهي من هذه الصّلاة نهتم بكلّ شيء غيره، فهل يصحّ أن نتوقع بعد ذلك أن تكون هذه الصّلاة مقبولة عند الله‌ تعالى.

    إذن يجب أن نهتمّ بأصل حضور القلب في الصّلاة ومراتبه، فلو أننا لم نملك القدرة على فهم مراتب حضور القلب فعلى الأقلّ تلك المرتبة الاُولى من حضور القلب الإجمالي والتي هي ميسورة للجميع، فلو لم يعلم الشخص الفرق بين التحميد والتسبيح والتنزيه فيكفي أن يعلم أنّه يقف بين يدي الله‌ تعالى وأنّه يذكر عظمته وجلاله.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا جميعا لحضور القلب في الصّلاة.

  • ۸۹

    25ـ المرتبة الاُولى من الحضور التفصيلي فهم معاني الكلمات


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ بحث حضور القلب ومراتبه في الصّلاة يعتبر من البحوث المهمّة والضروريّة للإنسان المؤمن والمصلّي، وللأسف فإنّنا قضينا عمرا طويلاً دون أن نسأل من أنفسنا عن حضور القلب في الصّلاة أو نسأل من شخص عالم وعارف أو شخص كبير وصالح يملك حالة جيدة في الصّلاة عن هذه المسألة، أو نسأل من إنسان مهذّب يعيش حالة الشوق للصّلاة ما هو حضور القلب في الصّلاة؟ والأهمّ من ذلك نسأل عن النقاط المهمّة التي تركها لنا علماء الأخلاق الكبار والعرفاء وبخاصّة المسائل العميقة جدّا التي ذكرها الإمام الراحل في كتابه «سرّ الصّلاة»[1] والتي يصعب جدّا فهمها، ولكن بما أنّ الإمام الراحل قدس‌سره يتمتع بشخصيّة كبيرة ومهذّب فقد تجاوز الكثير من المراتب في سلوكه إلى الله‌ ووصل إلى مراحل عالية في طريق المعنويّات والسير إلى الله‌ تبارك وتعالى، فيرى الإنسان في هذ


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 15 ـ 23.

  • ۹۰

    الكتاب بحرا من المعارف الإلهيّة قدّمها لنا الإمام الراحل قدس‌سره كهدية للاستعانة بها في هذا الطريق.

    وبعد أن ذكرنا مرتبة حضور القلب الإجمالي نتحدّث عن مسألة حضور القلب التفصلي في الصّلاة، فالحضور التفصيلي للقلب في الصّلاة له خمس مراحل، المرحلة الخامسة بنفسها لها ثلاث مراتب سنتعرض لها بالمقدار الممكن والميسور لعموم الناس، وأوّل مرتبة من الحضور التفصلي للقلب هي أنّ الإنسان يفهم معاني الألفاظ التي يتكلّم بها في الصّلاة، من التكبيرات الافتتاحيّة (التكبيرات التي يأتي بها المصلّي أوّل الصّلاة قبل النيّة)، إلى تكبيرة الإحرام والقراءة وذكر الركوع، وذكر السجود وسورة الحمد التي تتضمن أصول معارف الدين من المبدأ والمعاد، وهي سورة فاتحة الكتاب، وكذلك سورة التوحيد التي تتضمن معارف عميقة جدّا، فيما يتّصل بالذات المقدّسة وصفات الباري تعالى، وحضور القلب بشكل تفصيلي هو أن يفهم المصلّي معاني ومفاهيم الكلمات التي يقولها ويعلم ماذا يتحدّث مع الله‌ تعالى وما هو مدلول الحمد والثناء في أذكاره؟

    يجب أن يفهم قلب العابد والمصلّي في حال الصّلاة كلّ الكلمات التي يقولها، فعندما يقول: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»[1] عليه أن يفهم معنى هذه العبارة، ومن هنا يتّضح الفرق بين العالم والعابد، فالعالم يفهم معاني هذه الكلمات أمّا العابد فإنّه يفهم ظواهر هذه الألفاظ والكلمات لكنّه لا يفهم معناها والمفاهيم الكامنة فيها.

    والنقطة المهمّة، أنّ كلّ إنسان لابدّ أن يفهم بمقدار إدراكه وفهمه معاني هذه الكلمات، ومن الخصوصيّات المهمّة جدّا للقرآن هي أنّ كلمات القرآن الكريم لها معنى واسع وعميق جدّا، ولذلك فالأشخاص وبسبب اختلافهم في الفكر قد


    1. سورة الفاتحة، الآية 5.

۱۰۴,۵۷۵ بازدید