درس بعد

الاوامر

درس قبل

الاوامر

درس بعد

درس قبل

موضوع: مادة الأمر و صیغته


تاریخ جلسه : ١٤٠٢/١٢/١٢


شماره جلسه : ۷۲

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • الخوض في حوارِ المحقّق البروجرديّ

الجلسات الاخرى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمْ
الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينْ وَصَلَى الله عَلَىٰ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينْ

الخوض في حوارِ المحقّق البروجرديّ
لازِلنا نَغوصُ ضمن شُبهةِ الجبر، فحتّی الآن قد استعرضنا خمسةَ أجوبة من قِبَل الأعلام:

1. کمحاولَةِ الشیخ الآخوند.

2. وإجابةِ المحقق الاصفهاني.

3. و حلِّ المحقق النّائیني.

4. و استدلالیة المحقق الدّاماد -بضمّ إجابة السید الخمیني مع ظرافةِ مقالةِ نَجلِه السید مصطفی-

5. و رَدیّةُ المحقّق الحائريّ.

6. و أمّا المحقق البروجرديّ فقد تصدّی الإجابةَ قائلاً:

«أقول: الورودُ في هذا الميدان و الاشتغالُ بمُصَارعة الفُرسانِ خطيرٌ، و ربَّ ذهنٍ صافٍ (ساذَجٍ لا یَستوعِبُ جیّداً کالمُبتدئ) لا نَرضَى أن نُوردَه في هذا البَحر العميق، الّذي لا يَنجو منه إلاّ الأوحَديُّ من النّاس، فلنُشِر إشارةً إجماليّةً إلى ما قيل (المحقق الطوسيّ) في جواب ما ذُكر من الإشكال، ثمَّ نَخرُجَ من هذا المَبحث.

فنقول: قال الحكيم القدوسيّ المحقّق الطوسيّ «قده» (673م) في مقام الجواب عن هذا الإشكال، أي -إذا كان الكفرُ و العصيانُ و الإطاعة و الإيمانُ مسبوقةً بإرادتِه تعالى (التّکوینیّة) و علمُه بالنّظام الأتمّ الأكمل فكيف (نُبرِّرُ) التّكليف المشروط بالاختيار- : بأن العلمَ تابعٌ للمعلوم لا أنّ المعلومَ تابعٌ للعلم. (فالإرادة الإلهیّةُ هي نفسُ العلم الإلهيِّ بالنظام الأتمِّ بالحمل الشّایع و لهذا فالمعلوم (کالکفر و العصیان) لو تابَعَ العلمَ و انطَبَقَ معه لاستَلزَمَ الجبرَ إذ سیَنتهي المعلومُ الخارجيُّ إلی العلم الإلهيّ الذي قد تعلّقَ بشیئٍ مُحدّد فیَحدُثُ ما أرادَه الله تعالی و هو الجبر، بینما لو تابَعَ العلمُ -الذي هو المعلولُ- المعلومَ الواقع لأمکنَ الاختیارُ إذ کیفیّة تحقق المعلومِ بید البشرِ)

و أورَدُوا عليه إيراداً واضحَ الورود، فقالوا:

- إنّ العلمَ الّذي هو تابعٌ للمعلوم عبارةٌ عن العلم الانفعاليِّ (کعلم البشر حیث یَتبدّلُ وفقاً لتحوُّلِ المعلومِ فالعلم لیس علةً لإیجادِ المعلوم کالعصیانِ لکي یَتولّدَ الجبرُ بل العلمُ معلولٌ للمعلوم الخارجيّ-کالعصیان- فلو عَصی اللهَ عرَفنا بأنّ علمَ البشر الانفعاليّ قد تعلّقَ بالعصیانِ وهو المعلوم).

- لا العلمُ الفعلي (الإلهيّ) الّذي هو علةً لوجودِ المعلوم في الخارج (بینما المحقّق الطوسيّ قد خَلطَ ما بین الشِّقَّین) و كلامُنا في المقام في علمِه تعالى الّذي هو عينُ إرادته الأزليّة التي بها وُجِدَ كل شيء (حتی أعمالِ الإنسانِ) و يوجد من البدو إلى الختم. (فالإرادةُ الذاتیّة هي نفسُ العلمِ بالنظام الکامل بالحمل الشّایع ولهذا سیُصبِحُ المعلومُ معلولاً لهذا العلم الإلهيّ الفعليّ دوماً، و یُنتِجُ الجبرَ فما هي الإجابة؟)

و الظاهرُ أن هذا المعنى (من العلم) بلَغَ من الظهور و الوضوحِ درجةً لا يُمكن أن يقالَ إنّه خَفِيَ على مثل ذلك المحقّق، فالأَولَى أن نُوجِّه كلامَه بحيث لا يرد عليه هذا الإيرادُ، فنقول:

لا يَخفى أنّ المراد من النظام الأتمِّ الأكملِ، الّذي يكون متعلِّقاً لإرادته تعالى هو سلسلة العِلل و المعلولات (فالنِّظام بأکملِه عِلّيٌّ و معلوليٌّ حتی آثارِ المُمکناتِ) من بَدوها إلى ختمها، فإنّ دارَ الوجود دارُ العلل و الأسباب، و لكلٍّ من الموجودات الإمكانيّة تأثيراتٌ مخصوصةٌ بنفسِها لا توجَد في غيره (فالشمس تَمتلک تأثیرَها المحدّد کالحرارةِ بخلاف تأثیرِ الحیوانِ مثلاً) و عليَّةُ الأشياء لمعلولاتها ليست مجعولةً (أجل إنّ نفسَ العلّة قد خَلَقها اللهُ قهراً وبالجعل البسیط) و إنما هي (العلیّة) من جهة خصوصيّاتٍ في ذواتِها و الذاتيات لا تُعلَّل (فلا تُعلَّل عِلیَّةُ الشّمس للحرارة لأنّ الحرارةَ تُعدّ ذاتيّةُ الشّمس) و المجعول إنما هو ذوات العلل و الأسباب بالجعل البسيط (فالعلة تُجعَل و تُخلق بینما العلیّةُ لا تُجعَل لأنّها ذاتیّةُ الشّیئ) فكلُّ موجود و إن سبقته الإرادة الأزليّة (الإلهیّة) و كان وجوده مُفاضاً من قِبَل المبدأ الفيّاض إلاّ أنّ له (موجود) خواصّاً و آثاراً ذاتيّةً غيرَ قابلة للجعل، و بها يَصير علةً لغَيره و مؤثِّراً فيه، و على هذا فما تَعلَّقَ به العلمُ الفعليُّ -أعني إرادتَه التكوينية- إنما هو وجودُ الأشياء (أي أصلُ خِلقةِ الشیئ) و تحقُّقها بذواتها، و أما عليَّتُها و معلوليَّتُها (لاختیارِ شیئٍ) فمتعلَّقَتانِ لِما يَشبَه العلمَ الانفعالي (بأنّ المعلومَ لیس معلولَ العلمِ کي یَتولّدَ الجبرُ) لعدم كونهما مجعولَتَينِ حتى يَسبِقَهما العلمُ القضائي الفعلي (فیَحدُثَ الجبرُ)[1]»

فحتّی الآن قد تَخرّجنا بأنّ نمطَ العالَم من سنخِ العلل، و أمّا الجَعلُ الإلهيّ قد تَعلَّق بنفس الذَّوات -کالإنسان- لا بعلیَّةِ العلة -کالاختیار الذي هو معلول ذاتِ الإنسان- لأنّ العلیّةَ قد نَبَعت عن ذاتیَّةِ الإنسان فلا أهلیّةَ له للجَعل الخارجيّ الإلهيّ کي یَستتبِعَ الجبرَ، فبالتّالي إنّ آثارَ ذاتِ الشَّیئِ لا تَنتَسِب إلی الله تعالی بل إلی نفسِ المخلوق -کالاختیارِ المعلول لذاتِ الإنسان- لأنّ الله سبحانه قد خَلق ذاتَ الإنسانِ و أودَعَ الخِصالَ الذاتیّةَ في جوفِه أیضاً فاختیارُ الزَّین أو الشَّین لا یَقعُ متعلَّقَ إرادةِ الله تعالی کي یَتکوّنَ الجبرُ بل نفسُ الإنسان تَتمتّعُ بقابلیّةٍ ذاتیّةٍ تُکوِّنُ عنصرَ الاختیارِ کي یَنتَخِبَ إحدی الأطراف فهذا العنصرُ الذاتيُّ عدیمُ القابلیة للجَعل البسیط کي یَقعَ معلولَ الإرادةِ الأزلیّةِ، بل النفس هي التي تَمیلُ نحوَ الکفر أو الإیمان، فبالتّالي إنّ الاختیار معلولٌ للعلمِ الإنسانيّ الانفعاليّ فلا جبرَ إذن.

ثمّ أکمَلَ المحقق البروجرديُّ مقالتَه قائلاً:

«إذا عرفتَ هذا فاعلم أنّ الإنسان كما يكون بدنُه مركّباً من طبائعَ مختلفَةٍ متباينةٍ في الآثار و الخواصّ و المقتضيات، فكذلك جوهرُه الحقيقيُّ و روحُه الّذي به صارَ إنساناً، (الروح) مركّبٌ من رقائقَ مختلفَةٍ و لطائفَ متبايِنةِ الآثار ِو الخواصِّ‌، بحيث تَكون (الروحُ) مجموعةً من استعداداتٍ متفاوِتَةٍ و أميالٍ مختلفة، يَقتضي كلُّ واحد منها شيئاً غيرَ ما يَقتضِيه الآخرُ، فله ميلٌ إلى العوالم العالية الملكوتيَّة و ميلٌ إلى العوالم السّافلة الحَيَوانيّة، و قد جعلَ اللّٰه تعالى مع ذلك لهذا الوجودِ الشَّريف قوَّةً قاضيةً مميِّزةً يُميَّزُ بها الخبيثُ و الطَّيب و طريقيِ السَّعادة و الشَّقاوة و هي القوّة العاقلة، و أيَّدَها بالكتُب السَّماوية و الأنبياءِ و المرسلين، و جعلَه (الوجود الشریف) بحيث لا يُقدِم على عمل إلاّ بعد إدراكه طرَفَيِ الفعل و التّرك و ما يَترتَّبُ عليهما، و قدرتِه على كليهما، و اختيارِه بنفسِه أحدَهما على الآخر، فتارةً يَختار ما هو مقتضى اللَّطيفةِ الملكوتيّة و الطّينة العَليّينيّة، و أخرى ما هو مقتضى الجِبِلّة الشَّيطانية و الطينة السَّجِينِيّة، ففي كليهما يكونُ صدورُ الفعل عنه من جهة ما في ذاتِه (الروح لا من إرادةٍ خارجة) من الاستعداد المقتضي لهذا الفعل، لما عرفت من أن روحه مخمَّرَةٌ من الاستعدادات المختلفة المقتضية لأفعال متفاوَتةٍ، و المجعول له تعالى نفسُ تلك الرقائق (أي جعلَ أصلَ النّفس التي قد نَفخَ فیها من روحه المقدَّسة) لا علّيَّتُها (و خواصُّ النفس) و لكن الإنسانَ مع ذلك ليس مسلوبَ الاختيار، بل كلُّ فعل يصدر عنه فإنما يصدر عنه بعدَ التفاته (بالقوة العاقلة) و اختيارِه بنفسِه أحدَ الطرفين على الآخر، و هذا الاختيارُ (وفقاً للمحقّق النائینيّ بأنّه یُعدّ عنصراً رابعاً ما بین الإرادة و الحَرکة) هو مَناطٌ الثواب و العقاب لا الإرادة كما زعمَه صاحبُ الكفاية و كان يُكرِّرُها في درسه (حتی وقعَ في فخِّ الجبر) إذ هي (الإرادةُ) موجودة في سائر الحيوانات غيرِ الإنسان أيضاً (حیث یأکل بما یشاءُ کالإنسانِ فبهذا الاختیارُ قد امتازَ الإنسانُ عن الحیوان) و الفعل الاختياري هو ما كان مسبوقاً بشعورِ طرفيِ الفعل و التّركِ، و القدرة على كليهما، و اختيار أحدهما على الآخر، لا ما كان مسبوقاً بالإرادة مطلقاً (کما یتوفّرُ في الحیوان أیضاً) نعم اختيارُ أحد الطرفين مستتبع لإرادته، و لكنَّ المناطَ في الثّواب و العقاب هو الاختيارُ لا الإرادة، فبطل ما في الكفاية من أصله و أساسه.»

وناتِجُ مقالةِ المحقّق البروجرديّ أنّ الفلاسفةَ یَعتقدون بأنّ الفعلَ الاختیاريَّ قد سَبَقته الإرادةُ بینما المحقق البروجرديّ قد رفضَ سبقةَ الإرادةَ علی الفعل الاختیاريّ، إذ السّبقُ سیُؤدّي إلی کارثةِ الجبرِ فإنّ کافّةَ الأفعالَ الاختیاریّةٌ معلولةٌ للإرادةِ الأزلیّةِ الإلهیة، ولهذا قد أجابَ المحقّق البروجرديّ بأنّ سنخیّةَ العالَم عِلّيٌّ و معلوليٌّ فالفعلَ الاختیاريَّ مسبوقٌ بعنصرِ الاختیار فحسب لا الإرادة و هذا الاختیار -العلیَّة- قد أنجَبَه النفسُ الإنسانيّ -العلّة- فذاتُ الإنسانِ علّةٌ تامّةٌ لاختیار الزّین أو الشّینِ لا الإرادة الإلهیّة، و بهذا الأسلوب قد استَأصَلَ المحقّق البروجرديُّ أساسَ شبهةِ الجبر.

فبالتّالي إنّ المحقِّقینِ النائینيّ و البروجرديِّ قد اتّجَها نفسَ الاتّجاهِ، بینما المحقّقُ الاصفهاني أناطَ الاختیارَ علی سبقِ الإرادة سواءٌ نَبَعتِ الإرادةُ من إرادةٍ ممکنةٍ أخری أم من إرادة أزلیّة.

ثمّ یُکمل المحقق البروجرديّ حوارَه قائلاً:

«ثم إن ما ذكرناه من تركب روح الإنسان من الرقائق المختلفة، لعله المشار إليه بقوله تعالى في سورة الدهر: (إِنّٰا خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنٰاهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً)[2]. بناء على كون المراد من النطفة الأمشاج - أي - المختلطات -، هي اللطائف و الرقائق التي خمرت منها روح الإنسان و حقيقته التي فيها انطوى العالم الأكبر، لا النطفة الجسمانية التي تكون مبدأ لوجود بدنه، و الشاهد على ذلك ترتيب الابتلاء عليه بقوله بعد ذلك (نبتليه)، إذ ما هو دخيل في ابتلاء الإنسان و امتحانه، هو تركيب روحه من الرقائق المختلفة في الاقتضاء، ثم الإنعام عليه بالعقل المميز بين الخير و الشر، ثم تأييده بالكتب السماوية و الأنبياء و المرسلين عليه السلام، ثم إعطاؤه زمام اختياره بيده حتى يفعل ما يشاء، فقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ‌)، إشارة إلى تركيب روحه من الرقائق، و قوله: (فَجَعَلْنٰاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) إيماء إلى القوة العاقلة، و في قوله: إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ‌ إما شاکراً أو کفوراً. دلالة على إرسال الرسل و إنزال الكتب.[3]»

--------------------
[1] بروجردی حسین. 1415. نهاية الأصول. ج1 ، ص96 و97 تهران - ایران: نشر تفکر.
[2] سورة الإنسان - الآية ٢
[3] بروجردی حسین. 1415. نهاية الأصول.ج1 ، ص 96. تهران - ایران: نشر تفکر.



الملصقات :


نظری ثبت نشده است .